بقلم:ذ.أمينة مراد/عضوة تيار اليسار الجديد المتجدد
هناك أحزان عابرة تمر كالغيم، وأحزان أخرى تستقر في القلب طويلا حتى يصبح المرء كأنه يسكنها أكثر مما يسكن أي مكان آخر. وعندما تتراكم الفواجع والانتظارات والآلام، قد يتحول الحزن من شعور عابر إلى وطن كامل.
وأنا أتأمل الصورة التي نشرتها والدة ناصر الزفزافي، لم أر فيها مجرد صورة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل رأيت ملامح إنسانة أثقلتها الحياة بما يكفي. امرأة ترتدي السواد، ويطل من عينيها حزن لا يحتاج إلى شرح أو تعليق، حزن يبدو أكبر من الكلمات وأعمق من كل التأويلات.
لا أكتب اليوم عن قضية ناصر الزفزافي، ولا عن المواقف المختلفة بشأنها ، ولا عن النقاشات التي رافقتها عبر السنين. أكتب فقط عن أم فقدت زوجها الذي رحل من جراء مرض فتاك وهو يحمل في قلبه لوعة الأب على ابنه، وعن امرأة تواجه مرض السرطان بشجاعة وصبر، وعن إنسانة تجد نفسها في مواجهة الفقد والمرض والانتظار في آن واحد.
ولعل ما آلمني أكثر من الصورة نفسها هو ذلك القدر من القسوة الذي ووجهت به. فمهما اختلف الناس في آرائهم ومواقفهم، تبقى هناك مساحة إنسانية يفترض أن تظل مصونة من التجريح والتشفي. إذ ليس من النبل أن نحاكم الأمهات على أحزانهن، ولا من الأخلاق أن يتحول وجع إنسان إلى مناسبة للتهكم أو الإساءة.
ويصبح الأمر أكثر إيلاما حين تصدر بعض عبارات العنف اللفظي من أصوات يفترض فيها أن تنتصر للمعرفة والقيم الإنسانية، وأن تدرك أن الاختلاف لا يبرر القسوة، وأن قوة الفكرة لا تحتاج إلى إهانة المتألمين حتى تثبت نفسها.
وأنا أتأمل تلك الصورة لم أر أم معتقل فحسب، بل رأيت أما أثقلتها المحن، وامرأة تواجه المرض بشجاعة، وإنسانة أنهكها الفقد والانتظار. رأيت وجها من وجوه المعاناة التي لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل حتى نفهمها، لأن لغة الألم واحدة، ولأن الدموع لا تسأل أصحابها عن مواقفهم قبل أن تنهمر.
في تلك الصورة لم أبحث عن المواقف ولا عن الانتماءات، بل رأيت أما قبل كل شيء، وامرأة تنوء بأثقال المرض والحزن، وإنسانة اختبرت من قسوة الحياة ما يكفي. ولعل أكثر ما تحتاجه في هذه اللحظات ليس أن يحاكم الناس قناعاتها أو قناعات ابنها، بل أن يعترفوا بحقها في الحزن، وحقها في أن تعامل بما تستحقه من رحمة وكرامة.
ولعل من أقسى ما تكشفه معاناة المرض أنها تذكرنا بحاجتنا الدائمة إلى ما يجعل الحياة أكثر عدلا وأقل قسوة؛ إلى العلاج حين يشتد الوجع، وإلى الكرامة حين تشتد المحنة، وإلى شروط عيش تحفظ للإنسان إنسانيته. وهي مطالب لا تخص فردا بعينه ولا منطقة بعينها، بل تعني كل من يتطلع إلى حياة تليق بالبشر.
لهذه الأم أبعث كلمة تقدير ومواساة، لا لأنها والدة شخصية معروفة، بل لأنها أم مكلومة، وامرأة مريضة، وإنسانة تستحق الرحمة. وأمام ثقل الفقد والمرض والانتظار، لا يبقى للكلمات النبيلة من معنى أسمى من أن تكون مواساة لمن يتألم، واحتراما لمن يحزن، وإنصافا لإنسانية لا ينبغي أن تضيع وسط الضجيج.
فبعض الأحزان لا تزور القلب ثم ترحل، بل تقيم فيه طويلا... حتى يصبح الحزن وطنا.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك