الحلقة الخامسة من السلسلة التحليلية حول كأس إفريقيا للأمم بالمغرب 2025 .. وهم الانتماء القاري: إفريقيا بين الجغرافيا والمصلحة

الحلقة الخامسة من السلسلة التحليلية حول كأس إفريقيا للأمم بالمغرب 2025 .. وهم الانتماء القاري: إفريقيا بين الجغرافيا والمصلحة
أقلام حرة / الإثنين 26 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم : عبدالرزاق بوغنبور

من أكبر الأخطاء التي ارتكبها المغرب—بحسن نية أو بحسابات دبلوماسية—تعاملُه مع إفريقيا كفضاء انتماء قيمي، لا كمجال مصالح متباينة.

كأس إفريقيا بالمغرب لم تُسقط هذا الوهم فجأة، لكنها عرّت هشاشته، وكشفت أن ما يجمع الدول الإفريقية ليس منظومة قيم مشتركة، بل جغرافيا متجاورة، وتاريخا مثقلاً، ومصالح متصارعة.

الانتماء القاري، كما رُوّج له، كان خطابا جميلًا.

لكن الخطابات لا تصمد أمام الاختبارات.

المغرب استثمر في إفريقيا أكثر مما استثمرت إفريقيا في ذاتها:

سياسيا، عبر خطاب التعاون جنوب–جنوب.

اقتصاديا، عبر مشاريع وبنوك واستثمارات.

رمزيا، عبر تقديم نفسه كجسر بين القارة والعالم.

وإنسانيا، عبر فتح حدوده ومجتمعه.                       

لكن كأس إفريقيا كشفت حقيقة غير مريحة: القارة لا تُكافئ من يرتقي بها، بل تُربكها النماذج الناجحة.

ما وقع قبل وأثناء وبعد البطولة لم يكن استثناءً، بل تعبيرا عن ظواهر بنيوية:

غياب ثقافة القواعد،

ضعف الإيمان بالمؤسسات،

تطبيع الفوضى بوصفها “طبيعية”،

وتحويل كل فشل إلى مؤامرة خارجية.

في هذا السياق، يصبح البلد المنظِّم—إذا كان منضبطًا وناجحا—مشكلة بحد ذاته.

المغرب لم يُقابَل باعتباره شريكا قارّيا،

بل كـطرف كاسر للتوازن الهش الذي تعايشت معه أنظمة وإعلامات وجماهير اعتادت الفشل.

وفي المباراة النهائية، ظهر هذا التناقض بأوضح صوره.

حين وصلت الأمور إلى لحظة الحسم، لم يكن السؤال: من يفوز؟

بل: هل يُسمح لهذا النموذج بأن ينتصر أخلاقيا؟

وهنا، انكسر الوهم.

القارة التي يفترض أنها تتقاسم مصيرا، لم تتقاسم الحد الأدنى من القواعد.

القارة التي تُرفع باسمها شعارات التضامن، لم تُظهر تضامنًا مع النظام والانضباط، بل مع الانفعال والتبرير.

وهذا يفرض سؤالًا سياديا لا يمكن الهروب منه: ما معنى الانتماء القاري إذا كان لا يحميك عند الاختبار؟

الانتماء ليس شعورا،

بل التزاما متبادلًا.

وحين يغيب هذا الالتزام، يتحوّل الانتماء إلى عبء سياسي ورمزي.

المغرب، في هذه الكأس، لم يُهان رياضيا،

بل وُضع أمام حقيقة:

أن جزءًا من القارة لا يريد شركاء ناجحين،

بل شركاء يشبهونه في التعثّر.

وهنا مكمن الخطر.

الاستمرار في التعاطي العاطفي مع هذا الفضاء،

يعني تعريض النموذج المغربي للاستنزاف،

وتحويل قوته الناعمة إلى كلفة دائمة.

هذا لا يعني الانسحاب من إفريقيا،

ولا القطيعة معها،

ولا التخلي عن بعدها الجغرافي والتاريخي.

بل يعني الانتقال من خطاب الانتماء إلى سياسة التعاقد:

شراكة بلا أوهام،

تعاون بشروط،

تنظيم أحداث دون تساهل مع الفوضى،

ووضوح في الخطوط الحمراء.

من يحترم القواعد، مرحّب به.

ومن يخلط المنافسة بالإسقاطات السياسية،

فليتحمّل تبعات سلوكه.

كأس إفريقيا بالمغرب لم تكن نهاية علاقة،

بل نهاية مرحلة سذاجة.

انتهى زمن التعامل مع القارة بوصفها “عائلة”.

وبدأ زمن التعامل معها بوصفها فضاء مصالح، واختلافات، وصراعات رمزية.

والدولة التي تحترم نفسها،

لا تُدار بالعواطف القارية،

بل بميزان الربح والخسارة، والكرامة قبل الصورة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك