زلزال عسكري يهز إسبانيا والمغرب يقلب موازين القوة في المتوسط

زلزال عسكري يهز إسبانيا والمغرب يقلب موازين القوة في المتوسط
شؤون أمنية وعسكرية / الخميس 27 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

بينما تحوّلت المنابر الإعلامية الإسبانية في الأسابيع الأخيرة إلى فضاءات مفتوحة لمناقشة الصعود العسكري المغربي، بدا واضحاً أن جزءاً كبيراً من الخطاب المتداول هناك لا يعكس قراءة استراتيجية دقيقة بقدر ما يكشف حجم القلق المتنامي داخل الأوساط السياسية والإعلامية من التحولات المتسارعة التي تشهدها القوات المسلحة الملكية. فبدل الاعتراف بحقائق الميدان، اختار عدد من المحللين التقليل من حجم التطور المغربي عبر قراءات انتقائية تتجاهل المعطيات الأساسية التي غيرت بالفعل موازين القوة في المنطقة.

وتحاول بعض الأصوات القادمة من مدريد تقديم سلاح الجو المغربي باعتباره قوة عادية لا تتجاوز السقف التقليدي للجيوش الإقليمية، غير أن الوقائع تكشف صورة مختلفة تماماً. فالمغرب لم يكتف بتشغيل أسطول متطور من مقاتلات "إف-16"، بل مضى أبعد من ذلك عبر تعزيز قدراته بصفقة استراتيجية تشمل مقاتلات "إف-16 بلوك 72 فايبر" من الجيل الأحدث، إلى جانب برنامج تحديث شامل للطائرات الموجودة حالياً لتعمل بالمعايير التكنولوجية نفسها. هذا التحول النوعي يترافق مع إدماج رادارات متقدمة وأنظمة قيادة وتحكم حديثة تمنح القوات الجوية المغربية قدرات مراقبة وردع تتجاوز بكثير ما يحاول البعض تصويره داخل الاستوديوهات التلفزيونية الإسبانية.

غير أن التركيز على الطيران الحربي وحده يحجب جانباً آخر أكثر أهمية في المشهد العسكري المغربي، يتعلق بالتحول نحو الصناعات الدفاعية الوطنية. فالمملكة انتقلت من موقع المستورد التقليدي إلى مرحلة بناء منظومة إنتاج وتطوير في مجال الطائرات المسيرة والتقنيات الذكية المرتبطة بالدفاع، مستفيدة من شراكات دولية ونقل للتكنولوجيا مع فاعلين عالميين. وهو مسار استراتيجي يضع المغرب ضمن الدول الساعية إلى امتلاك استقلالية أكبر في مجال التسليح ويمنحه هامشاً أوسع في إدارة تحدياته الأمنية والعسكرية.

وفي الوقت الذي يختزل فيه بعض المعلقين الإسبان النقاش في المعدات والأسلحة فقط، تغيب عن تحليلاتهم معطيات مرتبطة بالموارد البشرية والقدرات التعبوية. فالقوات المسلحة الملكية تعتمد على قاعدة بشرية واسعة تضم مئات الآلاف من العسكريين وعناصر الاحتياط، ضمن رؤية تقوم على الجاهزية المستمرة والقدرة على الاستجابة السريعة لمختلف السيناريوهات الأمنية والدفاعية، وهو عنصر حاسم في أي معادلة استراتيجية حديثة.

ويكتمل هذا المسار التصاعدي من خلال استثمارات ضخمة رُصدت لتطوير المنظومة الدفاعية الوطنية، تشمل تحديث القدرات البحرية، وتعزيز القوات البرية بمعدات متطورة، وتوسيع شبكة الدفاع الجوي متعددة الطبقات. وتندرج هذه المشاريع ضمن عقيدة ردع متكاملة تهدف إلى حماية المصالح الاستراتيجية للمملكة وتأمين محيطها الإقليمي في ظل بيئة دولية وإقليمية تتسم بتزايد التحديات والمخاطر.

لذلك يبدو أن حالة الانشغال المتزايد داخل الإعلام الإسباني ليست مرتبطة فقط بصفقات السلاح أو الأرقام العسكرية، بل بواقع جديد يتشكل بهدوء وثبات على الضفة الجنوبية للمتوسط. واقع يؤكد أن المغرب اختار بناء قوته وفق رؤية طويلة المدى تجمع بين التحديث التكنولوجي والتصنيع العسكري والجاهزية العملياتية، وهو ما يجعل محاولات التقليل من هذا التحول أقرب إلى رد فعل على تغير موازين القوة أكثر من كونها تحليلاً موضوعياً لما يجري على الأرض.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك