أنتلجنسيا:أبو فراس
خلف الواجهة الرسمية للدولة المغربية، توجد منظومة أمنية واستخباراتية متعددة المستويات، لا تختصر في جهاز واحد ولا تتحرك جميعها بالاختصاصات نفسها. وبين الأمن الداخلي، والاستخبارات الخارجية، والاستعلامات العسكرية، ومكافحة الإرهاب، والمعلومات المالية والأمن السيبراني، تتوزع مهام جمع المعلومات وتحليلها وحماية الدولة ومؤسساتها، في شبكة معقدة لا تكشف السلطات عن تفاصيلها التشغيلية كاملة.
في قلب هذه المنظومة توجد المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، وهي الجهاز المرتبط أساساً بالاستخبارات والأمن الداخليين. وتُظهر النصوص القانونية المغربية أن مهمتها تتمثل في السهر على صيانة وحماية أمن الدولة ومؤسساتها، بينما أصبحت المديرية جزءاً من البنية الأمنية التي تتقاطع فيها ملفات مكافحة التجسس والإرهاب والتهديدات التي تمس الأمن الوطني.
ويظهر وزن DGST أيضاً في التعاون الأمني الدولي، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالإرهاب والتطرف. ففي عمليات مشتركة مع أجهزة أجنبية، أعلنت السلطات المغربية عن مساهمة المديرية في تعقب مشتبه في ارتباطهم بتنظيم «داعش» خارج المغرب، ما يعكس امتداد عملها إلى تبادل المعلومات الأمنية مع شركاء دوليين.
أما المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED)، فتوجد في الجانب الآخر من المعادلة، إذ يرتبط اختصاصها أساساً بالاستخبارات الخارجية. وتتعامل هذه المؤسسة مع المعلومات ذات الصلة بالمصالح الاستراتيجية للمغرب خارج الحدود، في مجالات سياسية وأمنية واقتصادية وعسكرية، إضافة إلى مكافحة التجسس وحماية المصالح المغربية في الخارج. وتظهر الوثائق الرسمية المغربية أن DGED تشارك أيضاً في آليات وطنية للتنسيق بشأن ملفات أمنية واستراتيجية.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الجهازين: DGST تركز أساساً على المجال الداخلي وحماية الأمن الوطني من التهديدات داخل التراب المغربي أو المرتبطة به، بينما DGED تعمل أساساً في المجال الخارجي وجمع المعلومات التي تهم مصالح المملكة خارج الحدود. غير أن الملفات الحديثة، خصوصاً الإرهاب والجريمة المنظمة والأمن السيبراني، تجعل الحدود بين الأمن الداخلي والخارجي أقل وضوحاً، وتفرض تعاوناً متزايداً بين مختلف الأجهزة.
وتدخل المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) بدورها في منظومة جمع ومعالجة المعلومات الأمنية، بحكم طبيعتها كجهاز للشرطة والأمن العام. ولا يصح اختزالها في جهاز استخبارات بالمعنى التقليدي، لكنها تضم اختصاصات ومصالح أمنية تعتمد على الاستعلام والتحليل والتحقيق الجنائي، وتتعامل مع المعطيات التي تساعد على كشف الجرائم والتهديدات الأمنية. كما أن بنيتها أصبحت أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والأنظمة الرقمية، وهو ما تؤكده عروضها الرسمية الحديثة حول تحديث العمل الأمني.
ومن أبرز الأذرع المرتبطة بالتحقيقات في قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، الذي يعمل ضمن منظومة المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ويضطلع بالتحقيقات القضائية في ملفات أمنية شديدة الحساسية، خصوصاً تلك التي تتطلب تنسيقاً بين العمل الاستخباراتي والتحقيق القضائي.
أما داخل المؤسسة العسكرية، فهناك أيضاً قدرات استخباراتية مرتبطة بالقوات المسلحة الملكية، وتذكر مصادر ودراسات متخصصة وجود المكتب الثاني المعني أساساً بالاستخبارات العسكرية الخارجية، والمكتب الخامس المرتبط بالاستعلامات والأمن العسكري الداخلي. غير أن تفاصيل البنية التنظيمية الدقيقة لهذه المصالح واختصاصاتها العملياتية لا تُنشر بشكل واسع، ولذلك ينبغي التعامل مع كثير من المعلومات المتداولة حولها باعتبارها معلومات مفتوحة المصدر وليست كشفاً رسمياً شاملاً لبنيتها. وتشير نصوص رسمية حديثة إلى حضور «المكتب الخامس لأركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية» ضمن آليات التنسيق الوطني في إدارة الأزمات السيبرانية.
وتملك الدرك الملكي بدوره قدرات في مجال الاستعلام الأمني والعسكري، بحكم اختصاصاته الواسعة في مراقبة المجال الترابي والتحقيق والشرطة القضائية والمهام المرتبطة بالأمن، كما يظهر تمثيله إلى جانب DGSN وDGST وDGED ومؤسسات أخرى في عدد من آليات التنسيق الرسمية.
وفي السنوات الأخيرة، دخل عامل جديد بقوة إلى معادلة الاستخبارات: المعلومة الرقمية. وهنا تبرز المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، التابعة لإدارة الدفاع الوطني. وهذه المؤسسة ليست جهاز مخابرات تقليدياً، لكنها تمثل أحد أهم مكونات منظومة الأمن السيبراني للدولة، إذ تتولى مراقبة ورصد التهديدات الرقمية والاستجابة للهجمات التي يمكن أن تستهدف نظم المعلومات، إضافة إلى وضع الأطر والاستراتيجيات المرتبطة بالأمن السيبراني.
وتكشف البنية الرسمية للجنة إدارة الأزمات والأحداث السيبرانية الجسيمة عن حجم هذا التشابك؛ فاللجنة تضم ممثلين عن الداخلية، والقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، وDGED، وDGSN، وDGST، والمكتب الخامس، إلى جانب DGSSI، بما يؤكد أن الأمن الحديث لم يعد منفصلاً إلى جزر أمنية مستقلة، بل أصبح يعتمد على تبادل المعلومات والتنسيق بين أجهزة متعددة.
وفي مجال مختلف تماماً، توجد الهيئة الوطنية للمعلومات المالية، التي لا تُصنف كجهاز مخابرات تقليدي، لكنها تؤدي وظيفة استخباراتية مالية مهمة عبر معالجة المعلومات المرتبطة بالمعاملات المشبوهة وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، ضمن منظومة وطنية تضم مؤسسات أمنية ومالية وقضائية. وتُظهر النصوص التنظيمية مشاركة DGST وDGSN والدرك وDGED والهيئة الوطنية للمعلومات المالية وغيرها في آليات التنسيق المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب وانتشار التسلح.
وهكذا فإن الحديث عن «المخابرات المغربية» بصيغة المفرد يخفي منظومة أوسع بكثير: استخبارات داخلية تقودها DGST، استخبارات خارجية تمثلها DGED، قدرات استعلامية داخل DGSN والدرك، استخبارات عسكرية مرتبطة بالقوات المسلحة الملكية، ثم طبقات متخصصة في الأمن السيبراني والاستخبارات المالية والتحقيقات المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة.
لكن الجزء الأكبر من التفاصيل العملياتية لهذه الأجهزة يبقى خارج المجال العام، وهو أمر طبيعي في عمل المؤسسات الاستخباراتية، ولذلك فإن أي حديث عن عدد العملاء، أو أساليب التجسس، أو البنية السرية للوحدات، أو وسائل المراقبة المستخدمة، يحتاج إلى مصادر موثوقة ومعلنة ولا يمكن اعتباره حقيقة لمجرد تداوله في الإعلام أو شبكات التواصل.
والخلاصة أن قوة المنظومة الاستخباراتية لا تكمن فقط في جهاز واحد، وإنما في قدرتها على جمع المعلومات من مصادر مختلفة، وتحليلها، ثم تحويلها إلى إنذار أمني أو قرار أو تدخل. وفي المغرب، تتقاطع هذه المهمة بين الأمن الداخلي والخارجي والعسكري والشرطة والقضاء والأمن السيبراني والاستخبارات المالية، في منظومة واسعة تبدو للعلن بأسماء ومؤسسات محددة، بينما تظل تفاصيل كثيرة من عملها الحقيقي خلف أبواب مغلقة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك