أنتلجنسيا:أبو فراس
تتسارع خطوات المغرب نحو بناء قوة عسكرية أكثر تطوراً واعتماداً على التكنولوجيا المتقدمة، في إطار استراتيجية دفاعية واسعة تسعى إلى نقل القوات المسلحة الملكية من منطق التحديث التقليدي إلى مرحلة التفوق التكنولوجي، عبر شراكات استراتيجية متنامية مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاء غربيين آخرين.
وفي أحدث مؤشر على هذا التوجه، انخرطت المملكة في برنامج أمريكي ضخم لتحديث وصيانة أنظمة القتال الجوي المتطورة، ضمن عقد تتجاوز قيمته 332 مليون دولار، يهم توفير الدعم التقني وقطع الغيار والخدمات المرتبطة بنظام الخوذة الذكية القتالية JHMCS، أحد أكثر الأنظمة تطوراً في عالم الطيران الحربي الحديث.
ويعكس انضمام المغرب إلى هذا البرنامج حجم الثقة المتزايدة التي تحظى بها القوات المسلحة الملكية لدى واشنطن، كما يؤكد انتقال الرباط إلى مرحلة جديدة تقوم على امتلاك أحدث تقنيات الحرب الجوية، خصوصاً أن هذا النظام يسمح للطيار بتحديد الأهداف وتوجيه الأسلحة والمستشعرات بمجرد النظر إليها، ما يمنحه تفوقاً عملياتياً كبيراً في ساحات القتال الحديثة.
ولا يقتصر الرهان المغربي على تحديث الطيران العسكري فقط، بل يمتد إلى مختلف أفرع القوات المسلحة. فخلال السنوات الأخيرة، شهد سلاح الجو الملكي عمليات تطوير واسعة شملت تحديث مقاتلات "إف-16" وتعزيز قدرات الحرب الإلكترونية والاستطلاع والمراقبة، فيما واصلت البحرية الملكية تحديث أسطولها وتوسيع قدراتها في مراقبة السواحل وحماية المجالين الأطلسي والمتوسطي.
كما واصلت القوات البرية تعزيز ترسانتها من المدرعات الحديثة والمدفعية الدقيقة والطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي، ضمن رؤية شاملة تستهدف رفع الجاهزية العملياتية للقوات المسلحة الملكية في مواجهة مختلف التحديات الأمنية التقليدية وغير التقليدية.
ويأتي هذا التحول العسكري المتسارع مدعوماً بميزانية دفاعية غير مسبوقة بلغت نحو 157 مليار درهم خلال سنة 2026، ما جعل المغرب يرسخ موقعه كثاني أكبر مستثمر في المجال الدفاعي على مستوى القارة الإفريقية، في وقت تتجه فيه المملكة إلى مضاعفة استثماراتها في الصناعات العسكرية الوطنية وتقليص الاعتماد على الموردين الأجانب.
وتكشف المعطيات المتوفرة أن الرباط لم تعد تكتفي بشراء المعدات العسكرية الجاهزة، بل انتقلت إلى مرحلة بناء منظومة دفاعية متكاملة تقوم على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات العسكرية وخلق شراكات إنتاجية مع شركات عالمية كبرى، وهو ما برز من خلال مشاريع تصنيع مدرعات محلياً واستقطاب استثمارات في مجالات الطيران والإلكترونيات الدفاعية وأنظمة المراقبة المتقدمة.
وفي السياق ذاته، يواصل المغرب تنويع مصادر قوته العسكرية عبر صفقات نوعية، من بينها اقتناء زوارق بحرية مسيّرة غير مأهولة من هولندا لتعزيز قدرات البحرية الملكية في مجال مكافحة الغواصات والألغام البحرية، في خطوة تؤكد دخول المملكة بقوة إلى عالم الأنظمة العسكرية الذاتية التي أصبحت تشكل العمود الفقري للحروب الحديثة.
ويرى متابعون للشأن العسكري أن الرهان المغربي لم يعد قائماً على مراكمة الأعداد أو تضخيم الترسانة التقليدية، بل على بناء جيش أكثر ذكاءً وقدرة على استثمار التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، بما يضمن تحقيق تفوق نوعي في بيئة إقليمية تعرف سباقاً متسارعاً نحو التسلح.
ورغم أن تصنيفات القوة العسكرية العالمية ما تزال تضع المغرب خلف قوى إقليمية ودولية من حيث الحجم الإجمالي للترسانة العسكرية، فإن المملكة تقود اليوم واحداً من أكثر برامج التحديث العسكري دينامية في المنطقة، مستندة إلى تحالفات استراتيجية قوية مع الولايات المتحدة وشركاء غربيين آخرين، وإلى رؤية طويلة المدى تهدف إلى تحويل القوات المسلحة الملكية إلى قوة عصرية قادرة على مواكبة متطلبات الحروب المستقبلية.
وبينما تواصل الرباط ضخ مليارات الدولارات في تحديث جيشها وتطوير صناعاتها الدفاعية، تبدو المملكة عازمة على ترسيخ موقعها كقوة عسكرية إقليمية صاعدة، تعتمد على التكنولوجيا والابتكار أكثر مما تعتمد على منطق التفوق العددي، في معادلة جديدة تعيد رسم موازين القوة في شمال إفريقيا والمتوسط.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك