أنتلجنسيا:أبو جاسر
يتصاعد الجدل في الأوساط المغربية بشأن التأخر المستمر في تسليم مقاتلات "إف-16 بلوك 72" الأمريكية، في واحدة من أبرز الصفقات العسكرية التي راهنت عليها الرباط لتحديث قدراتها الجوية، وذلك بعدما مرت قرابة سبع سنوات على توقيع العقد دون أن تتسلم القوات الجوية الملكية الطائرات المنتظرة، وسط مؤشرات على توجه السلطات المغربية نحو دراسة خيارات قانونية ومالية لمطالبة شركة "لوكهيد مارتن" بتعويضات عن الأضرار الناتجة عن هذا التأخير.
وكان المغرب قد أبرم في نهاية سنة 2019 اتفاقًا لاقتناء 25 مقاتلة جديدة من الجيل الأحدث لطائرات "إف-16"، في إطار خطة استراتيجية تهدف إلى تعزيز أسطوله الجوي ورفع عدد الطائرات الحديثة إلى 48 مقاتلة، مجهزة بأنظمة رادار متطورة من نوع AESA وقدرات تسليحية متقدمة تشمل صواريخ "AIM-120 AMRAAM". غير أن منتصف عام 2026 مرّ دون انطلاق عمليات التسليم الفعلية، ما أدى إلى إرباك برامج التحديث والتأهيل المرتبطة بهذه المنظومة الجوية الجديدة.
وفي مواجهة الانتقادات المتزايدة، اعترفت شركة "لوكهيد مارتن" بوجود تأخر في تنفيذ الصفقة، مشيرة إلى أن جزءًا من الإشكال ارتبط بعملية دمج واختبار منظومة الحرب الإلكترونية الحديثة "فايبر شيلد"، التي ستدخل الخدمة لأول مرة على الطائرات المخصصة للمغرب وتايوان. وأكدت الشركة أن هذه الاختبارات اكتملت بنجاح، وأن عملية التسليم ستنطلق خلال سنة 2026.
غير أن مراقبين وخبراء في الصناعات الدفاعية يعتبرون أن هذه المنظومة لا تمثل سوى جزء محدود من أسباب التأخير، مؤكدين أن العامل الأبرز يعود إلى التحولات الصناعية التي شهدها برنامج إنتاج مقاتلات "إف-16". فقد قررت الشركة الأمريكية سنة 2019 نقل خطوط الإنتاج إلى مصنع جديد بمدينة غرينفيل في ولاية ساوث كارولاينا، بعدما تم تخصيص المنشآت السابقة لدعم الإنتاج المتسارع لمقاتلات "إف-35" الشبحية التي أصبحت تحظى بأولوية استراتيجية نتيجة الطلب الدولي المتزايد عليها.
وجاءت هذه التحولات في توقيت صعب تزامن مع تداعيات جائحة كورونا، التي تسببت في اضطرابات واسعة بسلاسل التوريد العالمية وأدت إلى نقص حاد في المكونات الإلكترونية والرقائق الصناعية، إضافة إلى تحديات تشغيل المصنع الجديد وتأهيل اليد العاملة، ما انعكس بشكل مباشر على وتيرة الإنتاج خلال السنوات الماضية.
ولم يكن المغرب الدولة الوحيدة المتضررة من هذه التأخيرات، إذ شملت الأزمة عدة دول أخرى تعاقدت على مقاتلات "إف-16 بلوك 70 و72"، من بينها تايوان والأردن والبحرين وبلغاريا وسلوفاكيا، والتي واجهت بدورها تأجيلات متتالية في مواعيد التسليم رغم مرور سنوات على توقيع العقود.
كما أظهرت المعطيات أن مصنع غرينفيل ظل يعمل بإنتاجية محدودة تراوحت بين 16 و20 مقاتلة سنويًا إلى غاية عام 2025، وهو مستوى لم يكن كافيًا لتلبية الطلبات المتراكمة. ودفع ذلك شركة "لوكهيد مارتن" إلى الإعلان عن خطة لرفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 48 طائرة سنويًا، في محاولة لتقليص حجم التأخير واستعادة وتيرة التنفيذ الطبيعية للعقود المبرمة مع الزبائن الدوليين.
في المقابل، تمكنت الشركة من تحقيق قفزة كبيرة في إنتاج مقاتلات "إف-35"، حيث تراوح عدد الطائرات المصنعة سنويًا بين 150 و190 مقاتلة، ما عزز الانطباع لدى عدد من المتابعين بأن برنامج "إف-16" لم يحظ بالأولوية نفسها داخل الاستراتيجية الصناعية للمجموعة الأمريكية، وهو ما ساهم بشكل غير مباشر في إطالة أمد الانتظار بالنسبة للدول المتعاقدة.
ومع تمسك "لوكهيد مارتن" بوعودها بشأن بدء التسليم خلال عام 2026، تواصل الرباط مراقبة تطورات الملف عن كثب، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول الكلفة العملياتية والاستراتيجية لهذا التأخير، ومدى إمكانية لجوء المغرب إلى آليات التعويض المالي لحماية مصالحه بعد سنوات من الانتظار أثرت بشكل ملموس على برنامج تحديث القوات الجوية الملكية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك