أنتلجنسيا:سميرة زيدان
لم يكن إقلاع اثنتي عشرة مقاتلة شبحية أمريكية من طراز F-22 Raptor من قاعدة RAF Lakenheath حدثاً جوياً عادياً يمكن إدراجه ضمن جدول مناورات روتينية، بل خطوة عسكرية ثقيلة الإيقاع تحمل رسائل صلبة في توقيت سياسي بالغ الحساسية. الطائرات انطلقت شرقاً نحو إسرائيل ضمن عملية أحاطتها واشنطن بسرية تشغيلية عالية؛ أجهزة الإرسال أُغلقت، وأنظمة التعريف اختفت من شاشات التتبع المدني، بينما ظهرت فقط طائرات التزود بالوقود وهي تعبر أجواء البحر المتوسط، كأثر باهت لقوة جوية تتحرك خارج مجال الرؤية.
التحرك جاء قبل أيام من جولة مفاوضات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف، وفي لحظة تشهد تصاعداً ملحوظاً في الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. في مثل هذه اللحظات لا تكون التحركات التقنية محايدة؛ اختيار المنصة القتالية بحد ذاته بيان سياسي. فواشنطن لم تدفع بطائرات دعم أو قاذفات تقليدية، بل اختارت رأس حربة التفوق الجوي الذي تحتفظ به حصرياً، في رسالة تقول إن مسار الدبلوماسية يسير هذه المرة تحت ظل جناح شبح قادر على اختراق أكثر الدفاعات تعقيداً.
الـF-22 ليست مجرد مقاتلة متقدمة، بل منظومة هيمنة جوية صُممت لفرض السيطرة المطلقة منذ اللحظة الأولى لأي صراع. هيكلها الشبحي المتكامل يقلص بصمتها الرادارية إلى مستويات متناهية الانخفاض بفضل تصميم الزوايا ومواد امتصاص الموجات، إضافة إلى حمل الذخائر داخل حجرات داخلية تمنع أي زيادة في الانعكاس الراداري. هذا يعني أن الطائرة تستطيع الاقتراب من مسرح العمليات دون أن تُرصد بسهولة، لتبدأ المعركة قبل أن يدرك الخصم أنه بات داخل نطاق الاشتباك.
في التسليح، تعتمد فلسفتها على تدمير العدو من مسافات بعيدة عبر صواريخ موجهة بالرادار للاشتباك خلف مدى الرؤية، مدعومة بصواريخ قتال قريب عالية المناورة ومدفع داخلي للطوارئ. كما تستطيع تنفيذ ضربات أرضية دقيقة بذخائر موجهة مع الحفاظ على وضع التخفي، ما يمنحها مرونة العمل في أدوار هجومية ودفاعية معاً. رادارها العامل بتقنية المصفوفة النشطة يمكّنها من كشف وتتبع أهداف متعددة باحتمال منخفض لاعتراض إشاراته، بينما تدمج أنظمتها بيانات الرصد والحرب الإلكترونية والاستشعار الحراري في صورة عملياتية موحدة تمنح الطيار تفوقاً معلوماتياً حاسماً.
وتتمتع الطائرة بميزة التحليق بسرعات تفوق الصوت دون استخدام الحارق اللاحق، ما يسمح بالوصول السريع إلى مناطق العمليات مع تقليل البصمة الحرارية واستهلاك الوقود، ويعزز ذلك نظام توجيه الدفع الذي يمنحها قدرة مناورة استثنائية حتى في الزوايا الحادة. ورغم أن عقيدتها تقوم على إسقاط الخصم قبل الاشتباك المباشر، فإنها تبقى خطيرة في القتال القريب بفضل قدراتها الحركية العالية.
القانون الأمريكي يحظر تصدير هذه المقاتلة أو نقلها لأي حليف، ما يجعل أي نشر لها خارج الأراضي الأمريكية فعلاً استثنائياً بامتياز. إرسال اثنتي عشرة طائرة دفعة واحدة لا يُقرأ كمجرد تعزيز دفاعي، بل كتهيئة لمروحة سيناريوهات تتراوح بين الردع المتقدم والاستعداد لضربات دقيقة في حال فشل المسار التفاوضي. الرسالة إلى طهران واضحة: سقف القوة جاهز، والمسافة بين طاولة التفاوض وخيار العمل العسكري قصيرة وقابلة للاختزال بسرعة.
في المقابل، يحمل الانتشار بعداً إقليمياً أوسع. تموضع هذه المقاتلات في إسرائيل – إن تأكد تمركزها العملياتي هناك – يعني إدماج التفوق الجوي الأمريكي ضمن بنية ردع مشتركة، بحيث يصبح أي تصعيد محتمل جزءاً من تنسيق عسكري أمريكي-إسرائيلي متكامل، لا خطوة منفردة. بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بتحريك طائرات فقط، بل بإعادة ضبط معادلات القوة في شرق المتوسط والخليج معاً.
ما يجري إذاً ليس استعراضاً عابراً، بل سياسة ضغط جوي عالي الدقة. واشنطن تدخل مفاوضات جنيف وهي تُظهر أن التفوق ليس ورقة نظرية بل قدرة منتشرة ميدانياً، وأن السماء يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى ساحة اختبار لإرادة الأطراف. بين الشبح الذي لا يُرى والدبلوماسية التي تبحث عن مخرج، يتحدد مسار الأسابيع المقبلة: إما تسوية تُفرض تحت جناح الردع، أو تصعيد قد يبدأ من ارتفاعات شاهقة قبل أن يلامس الأرض.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك