أنتلجنسيا:أبو آلاء
دخلت القوات الجوية الجزائرية مرحلة جديدة من التحول العسكري العميق، بعد تسلّمها أولى دفعات مقاتلات القصف الروسية بعيدة المدى من طراز Sukhoi Su-34، في خطوة وُصفت بأنها نقلة نوعية في عقيدة الضربات الجوية بعيدة المدى، خاصة بعد ظهور طائرات تحمل الشارات الجزائرية في لقطات نشرتها مصادر روسية، لتضع حداً لحالة الغموض التي رافقت هوية الزبون الأول لهذا الطراز.
هذا التطور لم يأتِ من فراغ، إذ سبقت الصفقة سنوات من التكهنات حول مستقبل هذه الطائرة، خاصة بعد ظهور نسخ مطلية بتمويه صحراوي منذ غشت 2025، حين راجت فرضيات تربطها بوجهات محتملة أخرى، قبل أن يتأكد رسمياً دخول الجزائر كأول مستخدم تصديري لهذا السلاح الثقيل، في مؤشر على تعمّق الشراكة العسكرية مع موسكو.
وتُعتبر Sukhoi Su-34 واحدة من أكثر الطائرات القتالية مدىً في العالم، إذ تجمع بين خصائص المقاتلة والقاذفة في آن واحد، مع قدرة تحليق طويلة تجعلها أقرب في أدائها إلى بعض القاذفات الاستراتيجية، ما يمنحها قدرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل الضربات العميقة، والاستطلاع، والدوريات الجوية الممتدة.
التحول الجزائري نحو هذه المنظومة يأتي ضمن مسار تحديث واسع تشهده القوات الجوية، التي تعتمد أساساً على أسطول متنوع من المقاتلات الروسية، في مقدمتها Sukhoi Su-30MKA وSukhoi Su-35S، ما يخلق بنية هجومية متكاملة تتدرج بين التفوق الجوي والضربات البعيدة.
كما أن دخول هذه القاذفة الثقيلة يُتوقع أن يكون مقدمة لاستبدال تدريجي لمقاتلات Sukhoi Su-24M التي شكلت لسنوات طويلة عمود العمليات الهجومية الجزائرية، خاصة مع امتلاك البلاد أسطولاً كبيراً منها، ما يجعل الانتقال إلى الجيل الأحدث خطوة استراتيجية وليست مجرد تحديث تقني.
التقارير التقنية تشير إلى أن النسخة التصديرية الموجهة للجزائر، والتي يشار إليها أحياناً بـ Su-34ME، تحمل تعديلات ملحوظة مقارنة بالنسخة الروسية القياسية، سواء على مستوى التمويه الصحراوي المصمم لبيئات شمال إفريقيا، أو عبر إضافات مرتبطة بأنظمة الحرب الإلكترونية والدفاع الذاتي، ما يعكس توجهاً نحو تكييف المنصة مع مسرح عمليات مختلف تماماً.
وتُظهر المعطيات أيضاً أن هذه القاذفة قادرة على الوصول إلى سرعات تقارب 2200 كيلومتر في الساعة، مع مدى عملياتي قد يتجاوز 4000 كيلومتر باستخدام خزانات إضافية، إضافة إلى قدرتها على حمل ما يصل إلى 8 أطنان من الذخائر المتنوعة، تشمل صواريخ جو–جو وجو–أرض وقنابل موجهة، ما يمنحها مرونة قتالية واسعة في سيناريوهات متعددة.
في العمق الاستراتيجي، لا يُنظر إلى هذه الصفقة باعتبارها مجرد اقتناء سلاح جديد، بل كجزء من إعادة تشكيل تدريجي لعقيدة القوة الجوية الجزائرية، التي انتقلت خلال سنوات قليلة من تحديث محدود إلى إدخال منصات متقدمة تشمل أيضاً مقاتلات الجيل الخامس Sukhoi Su-57، في مؤشر على تسارع لافت في بناء قوة جوية متعددة الطبقات.
ومع هذا التطور، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من سباق التسلح الجوي الثقيل، حيث لم تعد القاذفات بعيدة المدى مجرد أدوات دعم، بل أصبحت عناصر مركزية في معادلة الردع وإعادة التوازن، في وقت تتجه فيه الجزائر إلى تعزيز حضورها العسكري عبر منصات قادرة على تغيير قواعد الاشتباك من مسافات بعيدة وبقدرات نارية متقدمة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك