أنتلجنسيا:الرباط
أرقام جديدة وصادمة أعادت دق ناقوس الخطر حول الوضع الكارثي للسلامة الطرقية داخل المدن المغربية، بعدما تحولت الشوارع الحضرية، خلال أسبوع واحد فقط، إلى مسرح مفتوح للموت والإصابات الخطيرة. فخلال الفترة الممتدة من 19 إلى 25 يناير، سُجلت حصيلة ثقيلة من الضحايا تعكس عمق الأزمة، ليس فقط في سلوك مستعملي الطريق، بل في فشل المقاربات الوقائية والردعية المعتمدة منذ سنوات.
المعطيات الرسمية تكشف أن 24 شخصاً فقدوا حياتهم، فيما أُصيب أزيد من 2300 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، من بينهم 68 إصابة وُصفت بالبليغة، وذلك في ما مجموعه 1736 حادثة سير داخل المجال الحضري. أرقام لا يمكن اختزالها في كونها مجرد “حوادث عرضية”، بل مؤشرات على خلل بنيوي يجعل الطريق فضاءً يومياً للمجازفة بالحياة.
وحسب التفسير الرسمي، فإن الأسباب المباشرة لهذه الكوارث تتوزع بين غياب الانتباه، وعدم احترام حق الأسبقية، والسرعة المفرطة، وتهاون الراجلين، وعدم احترام مسافة الأمان، وفقدان التحكم في المركبات، إضافة إلى سلوكات أكثر خطورة مثل السياقة في حالة سكر، والتجاوز المعيب، وعدم احترام إشارات التشوير. غير أن هذا السرد التقني للأسباب يخفي سؤالاً أعمق: لماذا تستمر هذه السلوكات رغم الحملات التحسيسية والزجرية المتكررة؟
اللافت أن حجم المخالفات المسجلة خلال نفس الأسبوع يعكس بدوره حالة انفلات مقلقة. فقد تم ضبط ما يقارب 44 ألف مخالفة، وإنجاز آلاف المحاضر، واستخلاص ملايين الدراهم كغرامات، إلى جانب حجز آلاف العربات وسحب عدد كبير من الوثائق. ورغم ذلك، تستمر الحصيلة الدموية في الارتفاع، ما يطرح علامات استفهام حول نجاعة المقاربة الحالية التي يبدو أنها تراهن أكثر على الزجر المالي بدل إحداث تغيير حقيقي في الثقافة الطرقية.
الواقع يكشف أن السلامة الطرقية في المغرب لم تعد مجرد قضية مرور، بل أزمة مجتمع كاملة الأركان، تتداخل فيها هشاشة البنية التحتية، وضعف المراقبة المستدامة، وغياب التربية الطرقية منذ المراحل الدراسية الأولى، فضلاً عن تساهل اجتماعي خطير مع السلوكيات المتهورة. فالسرعة، وعدم احترام القانون، والتطبيع مع المخالفة، تحولت إلى ممارسات يومية، يدفع ثمنها الأبرياء قبل غيرهم.
أمام هذا النزيف المستمر، يصبح السؤال الحقيقي ليس كم عدد المخالفات أو الغرامات، بل إلى متى ستظل الطرق المغربية تحصد الأرواح بنفس الوتيرة، دون مراجعة جذرية للسياسات المعتمدة؟ فالأرقام الحالية لم تعد تحتمل لغة البلاغات، بل تفرض مقاربة صارمة وشاملة تجعل حماية الحياة أولوية فعلية، لا مجرد بند عابر في تقارير أسبوعية تتكرر أرقامها… وتختلف فقط أسماء الضحايا
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك