ليلة شلّ السماء الفنزويلية وكيف حوّلت واشنطن التفوق الإلكتروني إلى ضربة جراحية بلا مواجهة جوية؟

ليلة شلّ السماء الفنزويلية وكيف حوّلت واشنطن التفوق الإلكتروني إلى ضربة جراحية بلا مواجهة جوية؟
شؤون أمنية وعسكرية / الأربعاء 21 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

لم تبدأ القصة بصواريخ ولا بانفجارات، بل بإشارات صامتة في السماء، حين دشّنت الولايات المتحدة مسارًا تصاعديًا محسوبًا من العمليات الجوية قرب السواحل الفنزويلية، واضعةً الأساس لما سيغدو لاحقًا واحدة من أكثر الضربات تعقيدًا في حروب العصر الحديث. منذ اللحظة الأولى، كان الرهان أمريكيًا على كسب المعركة قبل اندلاعها، عبر امتلاك صورة كاملة للمجال الإلكتروني والقدرات الدفاعية، لا عبر إسقاطها دفعة واحدة.

الطلعات الاستطلاعية التي نُفذت في منتصف نوفمبر 2025 لم تكن استعراض قوة بقدر ما كانت عملية مسح عميق للفضاء الراداري، هدفها تفكيك شبكة الدفاع الجوي الفنزويلية ذهنيًا قبل تعطيلها ميدانيًا. ما تسرّب لاحقًا من معطيات، يوحي بأن واشنطن نجحت في اختراق منطق المنظومة لا فقط معداتها، إذ كُشفت خريطة دقيقة لتداخلات الرادارات ونقاط التكرار التي تمنح النظام الفنزويلي مرونة شكلية، لكنها تخفي هشاشة بنيوية قاتلة.

القراءة الأمريكية خلصت إلى أن المعضلة ليست في قوة المنظومات بحد ذاتها، بل في كيفية تنسيقها، وفي فجوات قاتلة على الارتفاعات المنخفضة. هنا بالضبط صيغت فلسفة الضربة: ليس المطلوب تدمير الدفاع الجوي، بل تعطيل عقله، وإرباك أعصابه، ودفع أطقم تشغيله إلى اتخاذ قرارات خاطئة في اللحظة الحرجة.

فجر الثالث من يناير 2026، تحوّل التحليل إلى فعل. من ثلاثة محاور متزامنة، انطلقت الموجة الأولى، لا لاختبار الرد، بل لشلّه. الطائرات المتخصصة في الحرب الإلكترونية كانت رأس الحربة، اخترقت المجال الجوي وهي لا تبحث عن أهداف مرئية بقدر ما تصطاد انبعاثات. التشويش لم يكن ضجيجًا عشوائيًا، بل ضربات دقيقة أربكت الشاشات، وخلقت عالماً من الأهداف الوهمية، ودفعت الأطقم الفنزويلية إلى خيار الانطفاء بدل المواجهة.

في تلك اللحظات، انقلبت معادلة الردع. منظومات يُفترض أنها عماد الدفاع، وُضعت خارج الخدمة دون أن تُمسّ، فيما تحولت مراكز القيادة إلى أهداف معزولة، قُطعت عنها الرؤية والاتصال. لم تُسجَّل معركة جوية، لأن السماء حُسمت قبل أن تقلع الطائرات. ومع تحييد العقد القيادية، باتت القاذفات والصواريخ بلا سياق عملياتي، حتى حين كانت محفوظة في مخازنها.

اللافت أن القرار الأمريكي تجنّب الذهاب إلى النهاية، فالإبقاء على بعض المنظومات intact لم يكن رحمة تقنية، بل حسابًا سياسيًا باردًا: التدمير الكامل يُنهي ورقة الضغط، بينما التعطيل القابل للعكس يُبقي باب التصعيد مفتوحًا. إنها إدارة للتهديد لا إزالته، ورسالة بأن القدرة على الإيذاء ما تزال قائمة متى استُدعيت.

الجغرافيا لعبت دور الشريك الصامت في العملية. التضاريس الساحلية المعقدة، بما تحمله من ظلال ووديان، حوّلت نقاط قوة مصممة لسهول مفتوحة إلى نقاط عمى قاتلة. ومع مركزية القرار وغياب التفويض الميداني، تحولت مئات الوسائط القصيرة المدى إلى عبء لا يُستخدم، بينما كان الليل وانقطاع الكهرباء يضاعفان العجز.

في المقابل، اشتغلت المنظومات الأمريكية كشبكة واحدة، حماية وخداعًا ورصدًا. لم تكن المروحيات مكشوفة كما يُفترض، ولم تكن المسيّرات مجرد عيون، بل أدوات انتظار نشطة، ترصد الحركة وتغلق النافذة فور فتحها. ومع انتقال العملية إلى مرحلتها اللاحقة، دخلت الصواريخ الجوّالة على خط الاستهداف من مسافات آمنة، لترسّخ شلل القيادة والسيطرة وتمنع أي محاولة لالتقاط الأنفاس.

النتيجة كانت واضحة: تحييد فعلي لسلاح الجو دون إسقاط طائرة واحدة في قتال جوي، وإعادة تعريف لمعنى السيطرة الجوية في زمن الحرب الإلكترونية. لم يكن الانتصار في عدد الأهداف المدمّرة، بل في عدد القرارات التي لم تُتخذ، والطائرات التي لم تقلع، والصواريخ التي لم تُطلق.

هذه العملية، بما تحمله من دلالات، تقول الكثير عن مستقبل الحروب. التفوق لم يعد في كثافة النيران، بل في القدرة على تعطيل الخصم ذهنيًا وتقنيًا، ودفعه إلى الشلل الذاتي. وفي عالم تُدار فيه المعارك من خلف الشاشات بقدر ما تُخاض في السماء، تبدو ليلة فنزويلا درسًا قاسيًا في أن من يخسر الوعي بالمجال، يخسر المعركة قبل أن تبدأ.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك