أنتلجنسيا المغرب: وصال . ل
يعود اليوم
العالمي للصحة النفسية في العاشر من أكتوبر من كل سنة ليجدد النقاش حول واحدة من
أكثر القضايا الإنسانية تأثيرًا في حياة الأفراد والمجتمعات حيث يشكل هذا الموعد
فرصة لتسليط الضوء على أهمية التوازن النفسي والعاطفي ودوره في تحقيق الاستقرار
الشخصي والاجتماعي كما يفتح المجال أمام المؤسسات الصحية والتربوية والاجتماعية
لتكثيف جهود التوعية والتعريف بالتحديات التي يواجهها الأشخاص الذين يعانون من
اضطرابات نفسية أو ضغوط متواصلة تؤثر في جودة حياتهم.
وتحظى هذه
المناسبة باهتمام دولي متزايد في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم وما
يصاحبها من ضغوط اقتصادية واجتماعية ومهنية قد تنعكس على الصحة النفسية لمختلف
الفئات العمرية فالتغيرات التي تشهدها أنماط الحياة وتزايد متطلبات العمل والدراسة
إلى جانب الأزمات الأسرية والظروف المعيشية الصعبة كلها عوامل يمكن أن تزيد من
مستويات القلق والتوتر وتجعل الاهتمام بالصحة النفسية ضرورة لا تقل أهمية عن
العناية بالصحة الجسدية.
ولا تقتصر
الصحة النفسية على غياب الأمراض أو الاضطرابات بل تشمل قدرة الإنسان على التعامل
مع ضغوط الحياة اليومية وبناء علاقات متوازنة واتخاذ القرارات وممارسة أنشطته
بصورة تساعده على الشعور بالاستقرار والقدرة على الإنجاز ولهذا يدعو المختصون إلى
التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها جزءًا أساسيًا من الصحة العامة مؤكدين أن
الوقاية والتوعية والتدخل المبكر يمكن أن تسهم في الحد من تفاقم العديد من
المشكلات النفسية وتحسين فرص التعافي لدى الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة.
ويأتي
الاحتفال بهذا اليوم أيضًا في سياق الجهود الرامية إلى محاربة الوصم الاجتماعي
الذي لا يزال يمنع بعض الأشخاص من الحديث عن معاناتهم أو طلب الدعم خوفًا من
الأحكام المسبقة والتمييز فقد يضطر المصابون بمشكلات نفسية إلى إخفاء أعراضهم أو
تأجيل الاستشارة الطبية بسبب الاعتقاد الخاطئ بأن الاضطرابات النفسية دليل على
الضعف أو العجز بينما يؤكد المتخصصون أن طلب المساعدة خطوة مسؤولة وأن المشكلات
النفسية قد تصيب أي شخص بصرف النظر عن عمره أو وضعه الاجتماعي أو مستواه التعليمي.
وتلعب الأسرة
دورًا محوريًا في توفير بيئة داعمة للأشخاص الذين يمرون بفترات صعبة إذ يمكن
للإصغاء والتفهم وتجنب اللوم والسخرية أن تساعد على تخفيف الشعور بالعزلة وتشجع
الشخص على التعبير عن مشاعره ومخاوفه كما تتحمل المؤسسات التعليمية مسؤولية تعزيز
الوعي النفسي لدى الأطفال والشباب من خلال توفير أجواء آمنة وتشجيع الحوار
والتعامل المبكر مع مظاهر التنمر والقلق والعزلة التي قد تؤثر في التحصيل الدراسي
والنمو الاجتماعي.
وفي أماكن
العمل تبرز أهمية اعتماد سياسات تراعي التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية
وتحد من الضغوط المفرطة وتوفر ظروفًا مناسبة للراحة والتواصل الإيجابي بين
العاملين فالإرهاق المستمر والتوتر المهني وانعدام الدعم قد تؤثر في التركيز
والإنتاجية والعلاقات داخل بيئة العمل بينما يساعد توفير مناخ مهني صحي على تحسين
الأداء وتعزيز الشعور بالانتماء والاستقرار ويؤكد ذلك أن حماية الصحة النفسية ليست
مسؤولية الفرد وحده بل تتطلب مساهمة مشتركة من المؤسسات وأرباب العمل والجهات
المعنية.
كما يشكل
تحسين الوصول إلى خدمات الدعم والعلاج النفسي أحد أبرز التحديات المطروحة أمام
الأنظمة الصحية في عدد من البلدان خاصة عندما يتعلق الأمر بنقص المتخصصين أو
ارتفاع تكاليف العلاج أو صعوبة الوصول إلى الخدمات في المناطق البعيدة وتبرز
الحاجة في هذا السياق إلى تعزيز خدمات الرعاية النفسية الأولية وتطوير برامج
الوقاية وتوفير المرافقة للأشخاص الأكثر عرضة للضغوط مع ضمان احترام الخصوصية
والكرامة الإنسانية وتقديم الرعاية على أساس علمي يراعي احتياجات كل حالة.
وتمنح هذه
المناسبة أهمية خاصة لدور وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في نشر المعلومات
الصحيحة حول الصحة النفسية وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي قد تؤدي إلى التقليل من
معاناة الآخرين أو تقديم نصائح غير مناسبة فالتوعية المسؤولة قادرة على تشجيع
الحوار المجتمعي وتوجيه الأشخاص نحو مصادر المساعدة الموثوقة كما ينبغي التعامل
بحذر مع المحتوى الذي يشخص الاضطرابات النفسية بصورة عشوائية أو يروج لعلاجات غير
مثبتة لأن التشخيص والتدخل العلاجي يحتاجان إلى تقييم مهني يتناسب مع ظروف كل شخص
واحتياجاته.
ومع حلول
العاشر من أكتوبر تتجدد الدعوات إلى جعل الصحة النفسية أولوية مستمرة لا تقتصر على
يوم واحد في السنة من خلال ترسيخ ثقافة التعاطف وتوسيع خدمات الرعاية وتوفير الدعم
داخل الأسرة والمدرسة ومكان العمل فالتعامل الجاد مع المعاناة النفسية يبدأ
بالإنصات وينمو عبر التوعية والوقاية وينعكس في سياسات تضمن الوصول إلى المساعدة
دون خوف أو تمييز لتبقى الرسالة الأساسية لهذا اليوم أن العناية بالصحة النفسية حق
إنساني وجزء لا يتجزأ من بناء مجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة تحديات الحياة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك