أنتلجنسيا المغرب: أبودعاء
تتجه الحكومة المغربية نحو تنفيذ واحد من أبرز الأوراش
الاجتماعية المرتبطة بإعادة بناء المنظومة الصحية، من خلال الإعلان عن استكمال 15
مشروعا استشفائيا خلال سنة 2026، وهو ما يعكس توجها رسميا لتجاوز أعطاب مزمنة ظلت
تؤثر على جودة الخدمات الصحية وتضع المواطن في مواجهة يومية مع معاناة البحث عن
العلاج في ظروف صعبة، خاصة في ظل الضغط الكبير الذي تعرفه المستشفيات العمومية
ونقص الأسرة والتجهيزات الطبية في عدد من الجهات.
هذا البرنامج الاستشفائي الجديد لا يقتصر على مجرد بناء مؤسسات
صحية إضافية، بل يندرج ضمن رؤية أشمل تهدف إلى إعادة توزيع العرض الصحي بشكل أكثر
عدالة بين المناطق، وتقليص الفوارق المجالية التي لطالما كانت عنوانا لغياب
الإنصاف في الولوج إلى الخدمات الطبية، حيث تسعى الدولة إلى تعزيز حضورها في
المناطق القروية وشبه الحضرية التي عانت طويلا من التهميش الصحي، وهو ما يجعل هذا
الورش محملا بانتظارات اجتماعية كبيرة تتجاوز الأرقام المعلنة نحو الرهان على
الكرامة الصحية للمواطن.
وفي عمق هذا التوجه، تراهن الحكومة على إضافة حوالي 3000 سرير
جديد، وهو رقم يعكس حجم الخصاص الذي تحاول الدولة تداركه، لكنه في الوقت نفسه يفتح
النقاش حول مدى كفاية هذه الزيادة مقارنة مع الطلب المتزايد على الخدمات الصحية،
خاصة في ظل النمو الديمغرافي والتحولات الوبائية التي تعرفها البلاد، ما يفرض
التفكير ليس فقط في البنيات التحتية بل أيضا في الموارد البشرية من أطباء وممرضين
وتقنيين يشكلون العمود الفقري لأي إصلاح حقيقي.
كما أن هذا الورش يرتبط بشكل مباشر بمشروع تعميم الحماية
الاجتماعية، الذي يضع المنظومة الصحية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على
استيعاب ملايين المستفيدين الجدد من التغطية الصحية، وهو ما يعني أن نجاح هذه
المشاريع الاستشفائية لن يقاس فقط بعدد المستشفيات التي سيتم افتتاحها، بل بمدى
قدرتها على تقديم خدمات ذات جودة عالية وفي آجال معقولة تحفظ كرامة المواطن وتعيد
الثقة في القطاع العمومي.
غير أن التحدي الأكبر يظل مرتبطا بكيفية تدبير هذه المنشآت بعد
إنجازها، حيث أظهرت تجارب سابقة أن بناء المستشفيات لا يكفي إذا لم يواكبه تدبير
محكم يضمن الصيانة والتجهيز المستمر وتحفيز الموارد البشرية، وهو ما يضع الحكومة
أمام مسؤولية مضاعفة لتفادي تكرار اختلالات الماضي التي حولت بعض البنيات إلى
هياكل دون روح.
في النهاية، يبدو أن المغرب
يقف أمام لحظة مفصلية في مسار إصلاح قطاع الصحة، حيث تتقاطع الإرادة السياسية مع
الضغط الاجتماعي، ويظل الرهان الحقيقي هو تحويل هذه المشاريع إلى واقع ملموس يشعر
به المواطن في حياته اليومية، بعيدا عن لغة الأرقام والشعارات، نحو خدمة صحية
تحترم الإنسان وتستجيب لانتظاراته المشروعة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك