الخبر غير موجود

مآلات الفرد الإسلامي بعد تراجع المشروع الحركي..دراسة مقارنة:المغرب ومصر(الحلقة4)
تقارير / الأحد 16 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

النمط الثامن: القطيعة مع المرجعية الدينية-السياسية ذاتها

يتميز هذا النمط عن سائر أنماط النقد الذاتي داخل الحركات الإسلامية بكونه يتجاوز حدود النقد الداخلي التقليدي. ففي الأنماط الأخرى، يبقى النقد منصبا على القيادة أو الأداء التنظيمي أو التفسير السياسي لنص ديني أو استراتيجية (المشاركة أو المغالبة)، بينما يظل صاحب النقد مقتنعا أن الفكرة ذاتها -مشروع الدولة الدينية أو الحاكمية أو الأسلمة من أعلى- سليمة، وأن الخلل يكمن في التطبيق أو الأشخاص أو الظرف التاريخي. أما في هذا النمط، فينهار الجسر الفاصل بين التنظيم والفكرة إذ يبدأ صاحبه عادة من نفس نقطة الانطلاق -فشل تجربة سياسية، سجن، انكسار مشروع- لكنه بدل أن يقف عند حدود أخطأنا في التطبيق، يطرح سؤالا أكثر جذرية هل الفكرة نفسها كانت قابلة للتطبيق أصلا؟ وهل الخلل بنيوي في المنطلق النظري لا في الأداء؟

ونادرا ما يكون هذا التحول قفزة مفاجئة، بل يمر عادة بمراحل متدرجة. تبدأ أولا بمرحلة (خيبة الأداة)، حين ينصب النقد على التنظيم من فساد القيادة وغياب الديمقراطية الداخلية والانتهازية السياسية. ثم تليها مرحلة (خيبة المشروع)، حين يتكرر الفشل عبر تجارب وأجيال مختلفة في مصر والجزائر وتونس والسودان وغيرها، فيتحول السؤال من (لماذا فشل هذا التنظيم بالذات؟) إلى (لماذا يفشل هذا النمط من المشاريع بشكل متكرر ومنهجي؟). بعدها تأتي مرحلة (خيبة الأساس)، حيث يقفز صاحب التجربة نقلة نوعية فيتساءل لا عن التطبيق بل عن الافتراضات التأسيسية نفسها: فكرة الحاكمية، وفكرة أن النص الديني يحمل في ذاته تصوراً سياسياً جاهزاً وصالحاً لكل زمان، وفكرة أن (الحل) يكمن في استعادة نموذج تاريخي. وأخيرا تأتي مرحلة إعادة البناء أو الفراغ، حيث تتوزع المسارات فبعضهم يذهب نحو علمانية صريحة، وبعضهم يعيد صياغة تدينه كعلاقة فردية روحية منفصلة عن أي مشروع سياسي وهو ما يسميه بعض الباحثين (ما بعد الإسلاموية)، وبعضهم يقف في منطقة رمادية من الحياد الفكري أو اللاأدرية السياسية دون أن يعلن قطيعة كاملة.

ويظل هذا النمط الأقل توثيقا لأسباب بنيوية عدة. فأولا هناك الكلفة الاجتماعية الباهظة، إذ إن نقد التنظيم قد يقابل بالغضب، لكن نقد (الفكرة) أو المرجعية الدينية-السياسية غالبا ما يصنف عند البعض في خانة الردة أو(الخيانة للمشروع)، وهو اتهام أثقل بكثير من اتهام الانشقاق التنظيمي. وثانيا هناك العزلة المزدوجة فمن يقطع مع التنظيم فقط يجد أحيانا حضنا بديلا كتنظيم منافس أو تيار إصلاحي أو دوائر معارضة، أما من يقطع مع المرجعية ذاتها فيخسر الحاضنتين معا حاضنته الإسلامية الحركية القديمة، والحاضنة العلمانية التي قد تنظر إليه بريبة كونه قادماً من هناك. وثالثا هناك الخطر الأمني والمعيشي، ففي سياقات عربية عديدة ما زال الخروج عن الملة أو حتى ما يفهم كذلك يحمل مخاطر قانونية أو مجتمعية فعلية كالتكفير والعزل العائلي وفقدان العمل، وهذا يدفع كثيرين ممن قطعوا هذا المسار فكريا إلى عدم الإفصاح عنه علنا أو الإفصاح بحذر شديد ولغة ملتوية. ورابعا يغيب البنية التنظيمية الحاضنة، فخلافا للانشقاقات التنظيمية التي تنتج أحيانا كيانات جديدة كأحزاب وتيارات توثق نفسها وتنتج أدبيات، فإن القطيعة مع المرجعية غالبا ما تبقى مسارا فرديا متناثرا لا ينتج مؤسسة، وبالتالي لا يترك أثرا مؤسسيا يسهل تتبعه.

ومن المهم عدم اختزال هذا النمط في التحول إلى العلمانية فحسب، فهو طيف واسع يضم تنويعات متعددة. فمنها علمانية سياسية مع بقاء التدين الشخصي، حيث يفصل الشخص بين إيمانه الفردي ورفضه القاطع لأي مشروع دولة دينية، ويتبنى مبدأ حياد الدولة تجاه الأديان. ومنها نقد إبستمولوجي للمشروع الحركي دون حسم علماني كامل، إذ ينتقد أصحاب هذا الموقف تحديدا فكرة الحاكمية أو قراءة النص الديني كبرنامج سياسي جاهز، دون أن يتبنوا بالضرورة خطابا علمانيا شاملا، بل يقترحون تصورات إسلام مدني أو دين بلا دولة. ومنها أخيرا قطيعة شاملة تمتد من العلمانية إلى اللاأدرية أو حتى الإلحاد الصريح، وهو الطرف الأكثر حدة، حيث تمتد إعادة النظر من المشروع السياسي إلى الإيمان الديني نفسه، وإن كان هذا يتقاطع أحيانا مع مسارات شخصية أعمق لا علاقة لها بالضرورة بالتجربة الحركية وحدها.

ورغم ندرة توثيقه، فإن هذا النمط بالغ الدلالة لفهم الأزمة العميقة للمشروع الإسلامي الحركي، لأنه يكشف أن الفشل المتكرر لم يعد يفسر فقط بعوامل خارجية كقمع الأنظمة أو التآمر الخارجي، بل بدأ ينتج داخل الصفوف نفسها، ولو في الهامش، سؤالا وجوديا حول صلاحية الإطار النظري ذاته. وهو ما يجعل من الصعب اختزال أزمة الحركات الإسلامية في أزمة تنظيمية أو استراتيجية بحتة، بل يفتح الباب لقراءتها كأزمة في صميم المشروع الفكري التأسيسي.

دراسة الحالة المصرية: الإخوان المسلمون بعد 2013

خلفية الأزمة: من الصعود إلى الانقلاب

مثلت سنتا 2011-2013 في مصر تحولاً حاداً في مسار جماعة الإخوان المسلمين: من حركة محظورة تاريخياً إلى فاعل يحكم عبر صناديق الاقتراع، ثم إلى جماعة محظورة من جديد بعد انقلاب يوليو/تموز 2013 وما تلاه من قمع واسع النطاق. يظهر خليل العناني في كتابه "Inside the Muslim Brotherhood: Religion, Identity, and Politics" أن الجماعة ليست مجرد فاعل سياسي يسعى للسلطة، بل صانعة هوية (identity-maker) تنتج منظومة رمزية ومعنوية متكاملة تصوغ هوية الفرد المنتمي إليها عبر عمليات التنشئة (التربية)، والتجنيد، والتماهي، والتعبئة المستمرة. هذا العمق الهوياتي هو ما يفسر، حسب العناني، صمود الجماعة التنظيمي رغم القمع المتكرر، لكنه هو نفسه ما يجعل الخروج منها كلفة نفسية وهوياتية باهظة على الفرد.

أنماط الانفكاك بعد 2013: قراءة في دراسة منشاوي والعناني

تقدم دراسة منشاوي والعناني (2021) المشار إليها أعلاه أدق توصيف أكاديمي متاح لأنماط خروج الأفراد من جماعة الإخوان المسلمين بعد 2013، استنادا إلى مقابلات مع أعضاء سابقين في مصر والمهجر (تركيا وبريطانيا وقطر). أبرز ما تخلص إليه الدراسة هو أن الانفكاك لم يكن حدثا لحظيا مرتبطا بصدمة الانقلاب وحدها، بل تراكما تدريجيا لخيبات أيديولوجية وسياسية سبقت 2013 أحيانا، ثم تسارعت بعده.

في دراسة موازية بعنوان (مفارقة جماعة الإخوان المسلمين)، يوثق مصطفى منشاوي كيف تستخدم قيادات الجماعة آليات دينية-عاطفية لثني الأعضاء المتشككين عن الخروج، عبر ربط الانتماء التنظيمي بالانتماء الديني ذاته، بحيث ينظر إلى الرغبة في الخروج بوصفها اختبارا إيمانيا يستوجب (قراءة قرآن أكثر) أو (صلاة أكثر)، وتوصف المشاعر الغاضبة تجاه الجماعة أحيانا بأنها مشاعر (شيطانية). هذه الآلية تفسر جزئيا اتساع النمط الثالث في تصنيفنا (العضوية الاسمية) في السياق المصري تحديدا كلفة الخروج الصريح مرتفعة هوياتيا ودينيا، فيلجأ كثيرون إلى انفكاك نفسي صامت يسبق أي انفكاك فعلي معلن بسنوات.

حسام تمام: تفكك الإيديولوجيا من الداخل

قبل صدمة 2013 بسنوات، كان الباحث المصري حسام تمام (1972-2011) قد رصد من موقعه كباحث (من الداخل) مؤشرات تفكك تنظيمي وأيديولوجي مبكرة داخل جماعة الإخوان، توجها في كتابه (تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم)، إلى جانب دراسته عن (تسلف الإخوان: تآكل الأطروحة الإخوانية وصعود السلفية داخل الجماعة)، والتي رصدت فيها كيف بدأت مرجعية سلفية تنافس المرجعية الإخوانية التقليدية داخل قواعد الجماعة نفسها، في مؤشر مبكر على أن التماسك الظاهر للتنظيم كان يخفي انفكاكا أيديولوجيا تدريجيا سبق الانفكاك التنظيمي المعلن بسنوات.

حالة نموذجية: عبد المنعم أبو الفتوح

يستشهد بحالة عبد المنعم أبو الفتوح، القيادي الإخواني التاريخي الذي غادر الجماعة سنة 2011 قبيل الانتخابات الرئاسية وأسس لاحقا حزب مصر القوية، بوصفها مثالا دالا على النمط الخامس في تصنيفنا (الانتقال إلى العمل السياسي العام): خروج لم يكن عدائيا صريحا بقدر ما كان اختلافا حول جدوى الإطار التنظيمي الحصري نفسه في مرحلة انتقالية سياسية، تلاه انخراط في مشروع حزبي أوسع تعدديا من منطق (الجماعة).

دراسة الحالة المغربية الأولى: حزب العدالة والتنمية

خلفية الأزمة: من الصعود الانتخابي إلى الهزيمة التاريخية

خلافا للمسار المصري القمعي-الوجودي، مر حزب العدالة والتنمية المغربي (الذراع السياسي لحركة التوحيد والإصلاح ذات المرجعية الإسلامية) بمسار مختلف نوعيا اندماج تدريجي في اللعبة الحزبية الرسمية منذ التسعينيات، ثم صعود انتخابي بدأ فعليا سنة 2002 حين فاز الحزب بـ42 مقعدا، فتوسع بعد 2011 ليقود الحكومة، قبل أن يشهد تراجعا حادا توج بهزيمة تاريخية في انتخابات 2021، حيث خسر الحزب 112 من أصل 125 مقعدا كان يشغلها. تحليلات الباحث المغربي محمد مصباح، مؤسس المعهد المغربي لتحليل السياسات (MIPA)، تُرجع هذا التراجع إلى أزمة تدبيرية-قيادية داخلية تفاقمت منذ إبعاد الأمين العام السابق عبد الإله بنكيران عن رئاسة الحكومة سنة 2017 لصالح سعد الدين العثماني، وعجز القيادة الجديدة عن الموازنة بين الولاء للمؤسسة الملكية وتدبير الائتلاف الحكومي والحفاظ على تماسك جهاز الحزب.

عقب هذه الهزيمة، أعلنت الأمانة العامة للحزب بكاملها استقالتها الجماعية، في مؤشر أول على أن الأزمة لم تكن انتخابية فقط بل قيادية-تنظيمية عميقة.

حالات استقالة فردية: عينات من النمط الأول والثاني

توفر السنوات التي تلت هزيمة 2021 عدة حالات فردية دالة على تباين مسارات الخروج داخل الحزب نفسه، بما يؤكد فرضية هذه الدراسة القائلة إن الخروج ليس مسارا واحدا حتى داخل التنظيم الواحد:

حالة اعتماد الزاهيدي (2020): 

 استقالت القيادية والبرلمانية السابقة من المجلس الوطني للحزب احتجاجا على ما وصفته بتقاعس هيئات الحزب عن التفاعل الجدي مع الأزمة التنظيمية التي زاغت به عن أهدافه التي تأسس عليها، وهي صياغة تقترب من النمط الثاني في تصنيفنا (خروج ودي لكن مبني على اختلاف حول الأسئلة الكبرى المتعلقة بهوية المشروع ذاته لا فقط بأدائه الانتخابي.

حالة عبد القادر اعمارة (2023):  

استقال الوزير السابق احتجاجا على بيان للأمانة العامة ربط زلزال الحوز (سبتمبر 2023) بـ(المعصية) ودعا إلى (الرجوع إلى الله)، معتبرا في بيان استقالته أن التجربة الحزبية آلت إلى ما يحزن. حلل باحثون هذه الاستقالة بوصفها محاولة من اعمارة لتقديم نفسه في موقع العقلاني في مواجهة توجه اعتبروه خرافيا داخل قيادة الحزب بعد عودة بنكيران، وهي حالة تقترب من النمط الثاني (الودي-الفكري) وإن كانت أقرب لصدام صريح حول تأويل الدين وعلاقته بالسياسة، أي أحد الأسئلة الكبرى بعينها.

رد الحزب رسميا على موجة الاستقالات هذه بأنه (ليس تنظيما ستالينيا يضرب طوقا على أبنائه من حديد ونار، وأن الانتماء إليه ينبغي أن يكون (عن اقتناع لا عن ترغيب أو ترهيب)، وهو خطاب مؤسسي يقر ضمنيا بتعدد دوافع الخروج ويسعى لاحتوائها بدل التعامل معها كأزمة وجودية واحدة، خلافا لما رصدته دراسة منشاوي والعناني في السياق المصري القمعي حيث يعامل الخروج بوصفه شبه خيانة دينية. 

حالة عزيز الرباح (2022):

استقال الوزير السابق والبرلماني عن حزب العدالة والتنمية في ماي 2022، أي بعد حوالي ثمانية أشهر من هزيمة شتنبر 2021 التي حل فيها الحزب في المرتبة الثامنة بـ13 مقعدا فقط، بعدما كان يقود الحكومة بأزيد من 120 مقعدا. جمد الرباح عضويته في الحزب واستقال أيضا من رئاسة المجلس الجماعي لمدينة القنيطرة، الذي تولاه منذ 2009.

ما يميز تعليله الشخصي هو أنه صاغه بصيغة شخصية-تدبيرية لا فكرية قال إنه (لم يعد له ما يقدمه في العمل السياسي الحزبي، بعد التجربة الطويلة التي قضاها فيه)، وأنه حان الوقت ليضع تجربته في خدمة الوطن من مواقع أخرى (العمل الجمعوي والمدني الموجه للشباب والتنمية). لم يصدر عنه بيان صدامي أو نقد صريح لتوجهات القيادة الجديدة، بل غادر بهدوء ملحوظ، وهو ما جعل الحزب نفسه يصفه لاحقا بأنه لم يكن (أمرا مفاجئا).

يلاحظ أيضا أن الرباح، خلافا للمعتصم أو الزاهيدي، لم يتحول إلى ناقد علني مستمر للحزب بعد خروجه؛ إذ صرح لاحقا (2024) بأنه يرفض التعليق على أحداث الحزب أو الرد على "الروايات المكذوبة"، وهو موقف يعزز تصنيف خروجه كنمط أول هادئ لا يحمل قطيعة فكرية أو خصومة مفتوحة.