أنتلجنسيا:أبو جاسر
شهدت أسواق الطاقة العالمية أسبوعاً حادّاً من التراجعات، حيث تهاوت أسعار النفط بشكل لافت، بينما ظلّت أسعار المحروقات في السوق المغربي في مسار معاكس، محافظة على مستوياتها المرتفعة دون أي انعكاس ملموس لانخفاض الخام دولياً.
الأسواق الدولية أغلقت أسبوعها على وقع خسائر ثقيلة، بعدما تراجع سعر النفط بنحو 4 في المائة في جلسة الجمعة فقط، وسط انحسار المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بإمدادات الخام وتراجع التوتر حول الملاحة في مضيق هرمز. هذا الهدوء النسبي في المنطقة الحساسة للطاقة أعاد التوازن إلى العرض العالمي، ودفع الأسعار إلى الهبوط بشكل متسارع.
وفي التفاصيل، انخفض خام برنت بما يفوق 3.27 دولارات للبرميل، أي بنسبة 4.34 في المائة، ليستقر عند حدود 71.99 دولاراً، فيما فقد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 2.69 دولار، أي 3.74 في المائة، ليستقر عند 69.23 دولاراً للبرميل. وعلى المستوى الأسبوعي، كان التراجع أكثر حدة، حيث خسر برنت أزيد من 10.8 في المائة، مقابل حوالي 9.6 في المائة لخام غرب تكساس، في واحدة من أكبر موجات الانخفاض الأخيرة التي أعقبت تراجع المخاوف من اضطراب الإمدادات.
ورغم هذا الانهيار النسبي في الأسعار الدولية، ظل السوق المغربي خارج دائرة التأثير المباشر، حيث لم تُسجَّل أي تخفيضات في محطات الوقود، بل استمرت الأسعار عند مستويات مرتفعة أثارت استياءً متزايداً لدى المستهلكين. ويأتي ذلك بعد موجة زيادات سابقة اعتمدتها شركات توزيع المحروقات، التي بررت تلك الارتفاعات بالتوترات الجيوسياسية، خاصة الحرب بين إيران والولايات المتحدة، واحتمال إغلاق مضيق هرمز، وهو ما انعكس حينها على تسعيرة الغازوال التي اقتربت في بعض المحطات من 15 درهماً للتر.
هذا التباين الحاد بين السوقين العالمي والمحلي أعاد إلى الواجهة سؤال آلية تحديد الأسعار في المغرب، ومدى ارتباطها الفعلي بتقلبات النفط في الأسواق الدولية. فبينما تتفاعل الأسعار المحلية بسرعة مع أي ارتفاع عالمي، يبقى الانخفاض العالمي، وفق الملاحظات المتداولة، بطيئاً أو شبه غائب عن محطات التوزيع، ما يغذي شعوراً متنامياً بعدم التوازن في العلاقة بين الكلفة الحقيقية وسعر البيع.
وفي خضم هذا الجدل، لا يزال ملف المحروقات في المغرب يراوح مكانه، وسط انتقادات متكررة لطريقة تدبيره، ومطالب متصاعدة بضرورة ربط الأسعار المحلية بشكل مباشر وفوري بالأسواق العالمية، وتعزيز آليات المنافسة والشفافية داخل القطاع، بما يضمن حماية القدرة الشرائية للمستهلكين.
كما عاد النقاش حول دور مجلس المنافسة المغربي إلى الواجهة، بعد انتقادات وجهتها منظمة “ترانسبرانسي المغرب”، التي اعتبرت أن أداء المجلس لا يرقى إلى مستوى التوقعات، وذهبت إلى حد اتهامه بمحاولة “تلميع” صورة شركات المحروقات بدل مساءلة ممارساتها داخل السوق. هذه الاتهامات أعادت طرح سؤال فعالية أجهزة الرقابة في قطاع يُعتبر من أكثر القطاعات حساسية وإثارة للجدل في الاقتصاد الوطني.
وبين انهيار الأسعار عالمياً وثباتها محلياً، يتعمق الجدل حول منطق السوق ومن يتحكم في آليات التسعير، في وقت يبدو فيه المواطن الحلقة الأكثر تأثراً بتقلبات لا تنعكس دائماً بنفس الشكل بين الخارج والداخل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك