أنتلجنسيا:أبو آلاء
عادت قضية الحريات العامة إلى واجهة النقاش بقوة بعدما وجهت هيئات حقوقية مغربية تنشط بأوروبا انتقادات حادة لما وصفته باستمرار التضييق على العمل السياسي المنظم، متهمة السلطات بالسعي إلى إحكام قبضتها على المشهد العام قبيل أشهر قليلة فقط من موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة.
وأعلنت التنسيقية الأوروبية لحقوق الإنسان في المغرب، التي تضم عدداً من الجمعيات والهيئات المغربية بالخارج، رفضها لما اعتبرته عراقيل متزايدة تحول دون تمكن حزب النهج الديمقراطي العمالي من تنظيم مؤتمره الوطني السادس المقرر خلال شهر يوليوز المقبل، معتبرة أن ما يجري لا يتعلق بإجراءات إدارية عادية، بل يعكس توجهاً مقلقاً نحو الحد من الفضاءات المتاحة أمام الفاعلين السياسيين المعارضين.
وترى هذه الهيئات أن المناخ السياسي الحالي يشهد تشديداً متواصلاً على الحريات الأساسية، في وقت يفترض أن تعرف فيه البلاد انفتاحاً أكبر استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. ووفق هذا التصور، فإن الصعوبات التي يواجهها الحزب في تأمين فضاءات لعقد مؤتمره الوطني ليست سوى حلقة ضمن سلسلة من الإجراءات التي تستهدف الحد من نشاطه الميداني والتنظيمي.
وأكدت التنسيقية أن فروع الحزب تجد نفسها، بحسب تعبيرها، أمام حصار فعلي يمنعها من الاستفادة من القاعات والفضاءات العمومية عبر أساليب وصفتها بالملتوية، الأمر الذي تعتبره مساساً مباشراً بحقوق يكفلها القانون، وعلى رأسها حرية التنظيم والعمل السياسي وحرية تأسيس الجمعيات وممارسة أنشطتها بشكل طبيعي.
واعتبرت الهيئات الحقوقية أن حرمان حزب معترف به قانونياً من عقد مؤتمره الوطني يمثل سابقة مقلقة تضرب في العمق مبدأ التعددية السياسية الذي يشكل أحد الأسس الجوهرية لأي نظام ديمقراطي. فالمؤتمر الوطني بالنسبة لأي حزب سياسي ليس مجرد نشاط تنظيمي عابر، بل محطة مركزية لتقييم الأداء وتجديد الهياكل وصياغة التوجهات والبرامج المستقبلية، وبالتالي فإن عرقلته تعني، وفق هذه القراءة، إضعاف قدرة التنظيم السياسي على أداء أدواره الطبيعية داخل الحياة العامة.
وذهبت التنسيقية أبعد من ذلك عندما ربطت وضعية حزب النهج الديمقراطي العمالي بما وصفته بسياق أوسع من التضييق على الأصوات المنتقدة والفاعلين الحقوقيين والنشطاء الاجتماعيين والسياسيين المستقلين، معتبرة أن البلاد تشهد تراجعاً مقلقاً في هوامش التعبير والاحتجاج والعمل المدني، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى العديد من المنظمات الحقوقية داخل المغرب وخارجه.
وفي ظل هذه التطورات، شددت الهيئات الموقعة على البيان على أن احترام التعددية السياسية لا يقاس بالشعارات أو النصوص القانونية فقط، وإنما بمدى قدرة مختلف الأحزاب والتيارات على ممارسة أنشطتها بحرية وبدون عراقيل. كما اعتبرت أن أي مساس بحق حزب سياسي في عقد مؤتمره أو التواصل مع مناضليه ومؤسساته ينعكس سلباً على صورة الممارسة الديمقراطية برمتها.
ودعت التنسيقية الأوروبية لحقوق الإنسان في المغرب إلى رفع جميع القيود التي تعيق تنظيم المؤتمر الوطني السادس لحزب النهج الديمقراطي العمالي، مؤكدة تضامنها الكامل مع الحزب في ما تعتبره معركة من أجل الدفاع عن حقوق سياسية مشروعة يكفلها القانون والمواثيق الدولية المتعلقة بالحريات العامة.
ويأتي هذا السجال في ظرفية سياسية حساسة تتسم بالاستعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، ما يجعل ملف الحريات السياسية وحقوق التنظيم الحزبي واحداً من أكثر الملفات إثارة للنقاش خلال المرحلة القادمة. وبين رواية تتحدث عن احترام القانون والإجراءات التنظيمية، وأخرى تتهم بوجود تضييق ممنهج على المعارضة والأصوات الناقدة، يبقى الجدل مفتوحاً حول واقع الحريات السياسية في المغرب وحول مدى قدرة المشهد الحزبي على خوض المرحلة الانتخابية المقبلة في مناخ تنافسي يضمن تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك