حين تفشل الحكومة المغربية في خلق الشغل وتُغيّر تعريف البطالة وتُخفي مئات الآلاف بجرة قلم

حين تفشل الحكومة المغربية في خلق الشغل وتُغيّر تعريف البطالة وتُخفي مئات الآلاف بجرة قلم
تقارير / الخميس 07 ماي 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

في واحدة من أكثر المناورات الإحصائية إثارة للجدل، يبدو أن السلطة اختارت الطريق الأسهل للهروب من واقع البطالة الخانق: ليس عبر خلق مناصب شغل حقيقية، بل عبر إعادة صياغة معنى “العاطل” نفسه. هكذا، وبدل مواجهة الأرقام القاسية التي تكشف اتساع دائرة اليأس الاجتماعي، جرى تقليص مفهوم البطالة إلى الحد الذي يجعل الآلاف يختفون فجأة من السجلات الرسمية دون أن يغادروا الأرصفة أو المقاهي أو طوابير الانتظار.

المنطق الجديد الذي اعتمدته المندوبية السامية للتخطيط، وفق الانتقادات المتصاعدة، يقوم على توسيع مفهوم “النشاط المهني” بشكل غير مسبوق، حيث يكفي أن يحصل الشخص على مبلغ رمزي مقابل دقائق معدودة من العمل حتى يتم اعتباره “مشتغلاً”، ولو تعلق الأمر بعمل هش أو موسمي أو بلا أي ضمانات اجتماعية أو دخل يحفظ الكرامة.

في المقابل، أصبح تصنيف الشخص ضمن خانة العاطلين عملية شبه مستحيلة. فلكي يُعترف بك كـ“بطال”، يجب أن تكون بلا أي مورد مهما كان بسيطاً، وأن تواصل البحث عن العمل باستمرار ودون انقطاع، وأن تكون مستعداً لقبول أي وظيفة تُعرض عليك مهما كانت مهينة أو بعيدة عن مؤهلاتك العلمية والمهنية.

هذا التحول في المعايير يعني عملياً إخراج أعداد ضخمة من الشباب من دائرة البطالة الرسمية، فقط لأنهم توقفوا عن البحث بعد سنوات من الإحباط، أو لأنهم يعيشون على مساعدات عائلية بسيطة، أو يشتغلون في أنشطة غير مستقرة بالكاد تضمن البقاء. فالباعة المتجولون، ومساعدو الحرفيين، ومن يعيشون على “الديباناج”، وحتى من يحصلون على دعم رمزي من أسرهم، لم يعودوا ضمن “جيش العاطلين” وفق المقاربة الجديدة.

الانتقادات الموجهة لهذا التوجه ترى فيه محاولة واضحة لتجميل الحصيلة الحكومية قبيل الاستحقاقات السياسية المقبلة، خصوصاً بعد سنوات من الوعود التي اصطدمت بواقع اقتصادي واجتماعي صعب، لم تنجح السياسات العمومية في تجاوزه بالشكل المعلن.

وبحسب هذه القراءة الغاضبة، فإن الحكومة لم تكتف بتجاهل مفاهيم أساسية معترف بها دولياً، مثل الشغل الناقص والبطالة المقنعة والعمل غير اللائق، بل اختارت التعامل مع هذه الملفات وكأنها تفاصيل ثانوية، بينما يعيش آلاف الشباب أوضاعاً مهنية هشة لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار أو الأمان الاجتماعي.

اللافت في هذا الجدل أن الأرقام الرسمية الجديدة أظهرت تراجع معدل البطالة من حوالي 13% إلى 10.8%، مع اختفاء ما يقارب 350 ألف عاطل من الإحصاءات، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام اتهامات بأن الأمر لا يتعلق بتحسن اقتصادي فعلي، بل بتغيير قواعد العدّ والحساب.

وفي خضم هذا السجال، ترتفع أصوات تعتبر أن ما يجري ليس مجرد نقاش تقني حول المعايير الإحصائية، بل معركة سياسية حول حقيقة الواقع الاجتماعي، وحول ما إذا كانت الأرقام تُستخدم لفهم الأزمة أم لإخفائها خلف لغة تقنية باردة لا تعكس حجم الاحتقان واليأس المنتشر وسط فئات واسعة من الشباب المغربي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك