أنتلجنسيا:أبو جاسر
عاد المشروع العملاق الذي يُفترض أن يربط القارتين الإفريقية والأوروبية عبر أعماق البحر إلى دائرة الشك، بعدما كشفت معطيات حديثة عن احتمال تأجيل تنفيذه لسنوات طويلة، رغم الترويج له كأحد أكبر رهانات المستقبل في المنطقة. الحديث هنا عن نفق بحري مرتقب تحت مضيق جبل طارق، يربط بين المغرب وإسبانيا، في مشروع ظل لعقود عنواناً للطموح أكثر منه واقعاً ملموساً.
المعطيات المتداولة تفيد بأن هذا الورش الضخم، الذي يُفترض أن يؤسس لخط سككي مباشر بين القارتين، قد لا يرى النور قبل أفق زمني يمتد ما بين 2030 و2040، في ظل استمرار الدراسات التقنية وتعقد الشروط المرتبطة بإنجازه. هذا التأخير يعكس حجم التحديات التي تواجه المشروع، سواء من حيث الجدوى الاقتصادية أو الصعوبات الهندسية المرتبطة بطبيعة المنطقة البحرية التي يُرتقب أن يحتضنه.
ورغم هذه العراقيل، لا يزال النفق يُنظر إليه كمشروع استراتيجي بامتياز، من شأنه إعادة رسم خريطة النقل والتبادل بين ضفتي المتوسط، عبر تقليص زمن الرحلات وتعزيز تدفق البضائع والأشخاص. كما يُتوقع أن يشكل جسراً حقيقياً يربط الشبكات السككية الأوروبية بنظيرتها الإفريقية، ما قد يفتح الباب أمام دينامية اقتصادية غير مسبوقة بين الشمال والجنوب.
التصور الهندسي للمشروع يكشف بدوره عن مستوى عالٍ من التعقيد، إذ يرتقب أن يتم إنجازه على مراحل، تبدأ بنفق سككي مخصص لنقل البضائع والقطارات السريعة، قبل التوسع لاحقاً ليشمل نقل المسافرين والمركبات. كما يتضمن المخطط إنشاء نفق ثالث مخصص للسلامة والتدخلات التقنية، وهو ما يعكس حساسية المشروع وضرورة تأمينه وفق أعلى المعايير.
غير أن الطموح يصطدم بواقع صعب، أبرز ملامحه التحديات الجيولوجية المرتبطة بقاع البحر في مضيق جبل طارق، حيث تتداخل الصفائح الأرضية وتتعقد ظروف الحفر، إضافة إلى الكلفة المالية الضخمة التي يتطلبها المشروع، وتعقيدات التنسيق بين عدة أطراف دولية وتقنية. كما تبرز إشكالية الحفاظ على انسيابية الملاحة البحرية في واحد من أكثر الممرات ازدحاماً في العالم.
في المحصلة، يبدو أن مشروع الربط القاري، الذي طالما قُدم كرمز للتقارب بين إفريقيا وأوروبا، لا يزال رهين التوازن بين الحلم الهندسي والواقع الجيوسياسي، في انتظار توفر شروط التنفيذ التي قد تحوله من فكرة مؤجلة إلى إنجاز تاريخي يغير وجه المنطقة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك