أنتلجنسيا:أبو آلاء
في مشهد يكشف عمق التحولات الخطيرة في ملف الهجرة، لم يعد النقاش داخل المؤسسات الدولية مجرد تبادل دبلوماسي روتيني، بل تحول إلى منصة مواجهة حقيقية بين خطاب حقوقي متصاعد وواقع عالمي يتجه نحو التضييق والانغلاق. من قلب قصر الأمم في جنيف، قادت آمنة بوعياش اجتماعاً إفريقياً وازناً كشف، دون مواربة، أن حقوق المهاجرين أصبحت أول ضحايا الاضطراب الدولي المتسارع.
الاجتماع، الذي جمع ممثلي 23 دولة إفريقية في إطار الشبكة الإفريقية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، لم يكن مجرد محطة تنظيمية، بل منصة لإعادة صياغة الموقف الإفريقي في مواجهة موجة سياسات أحادية تضرب في العمق منظومة الحماية الدولية. فإفريقيا، التي تجد نفسها في قلب معادلة الهجرة العالمية، لم تعد تقبل بدور المتلقي، بل تسعى لفرض تصورها القائم على حماية الإنسان قبل الحدود.
التحذيرات التي أطلقتها بوعياش لم تكن دبلوماسية ناعمة، بل أقرب إلى جرس إنذار صريح: العالم يتجه نحو تآكل الثقة في المؤسسات الدولية، والهجرة تُختزل بشكل متزايد في مقاربة أمنية ضيقة، خاصة داخل دول الشمال، حيث يتم توظيفها كورقة سياسية في سياقات داخلية مشحونة. هذا التحول، حسب الطرح الإفريقي، لا يهدد فقط حقوق المهاجرين، بل يقوض أسس النظام الدولي القائم على التضامن والتعاون.
في خضم هذا السياق، تحاول المؤسسات الوطنية الإفريقية لحقوق الإنسان إعادة التوازن إلى النقاش، عبر الدفع نحو مقاربة متعددة الأبعاد تعترف بأن الهجرة ليست أزمة أمن، بل ظاهرة إنسانية واقتصادية واجتماعية مركبة. ومن هنا، يبرز رهان بناء جبهة إفريقية موحدة قادرة على الترافع في المحافل الدولية، من جنيف إلى نيويورك، من أجل فرض أجندة بديلة تضع كرامة الإنسان في صلب السياسات العمومية.
ولم يأت هذا التحرك من فراغ، بل يستند إلى خطوات عملية، أبرزها اتفاق الرباط الموقع في أبريل 2025 مع الأمم المتحدة، والذي أسس لإطار مؤسساتي جديد للتنسيق وتبادل المعلومات وتعزيز الضغط الدولي من أجل تفعيل الاتفاقيات الخاصة بحقوق العمال المهاجرين. هذه الخطوة تعكس انتقالاً من خطاب النوايا إلى بناء أدوات فعلية للتأثير، في محاولة لسد الفجوة بين الالتزامات الدولية والتنفيذ على الأرض.
غير أن التحدي الأكبر، كما يكشفه هذا الحراك، لا يكمن فقط في صياغة المواقف، بل في مواجهة واقع دولي يتجه نحو الانغلاق، حيث تتراجع الموارد، وتتآكل روح التضامن، وتتصاعد التوترات الجيوسياسية، ما يجعل حقوق المهاجرين رهينة حسابات معقدة تتجاوز البعد الإنساني.
الرسالة التي خرج بها اجتماع جنيف واضحة وصادمة في آن واحد: إفريقيا لم تعد مستعدة للعب دور الضحية الصامتة في ملف الهجرة، بل تسعى لفرض نفسها كفاعل رئيسي في إعادة تشكيل قواعد اللعبة. لكن السؤال الذي يظل معلقاً هو ما إذا كان هذا الصوت الإفريقي الصاعد قادراً فعلاً على اختراق جدار المصالح الدولية الصلبة، أم أن حقوق الملايين ستظل عالقة بين خطابات الحماية وواقع الإقصاء.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك