أنتلجنسيا المغرب: أبو ملاك
في مشهد يومي يتكرر دون ضجيج، يجد ذوو الاحتياجات الخاصة أنفسهم
أمام أبواب مغلقة ليس بالمعنى الإداري فقط، بل بمعناه الإنساني العميق، حيث تتحول
الإدارات العمومية إلى فضاءات غير قابلة للولوج، تفتقر لأبسط شروط الكرامة
الإنسانية، وكأن هذه الفئة خارج حسابات التخطيط والتدبير العمومي.
غياب الممرات
الخاصة بالكراسي المتحركة، وانعدام المصاعد في العديد من المؤسسات، وغياب إشارات
التوجيه الملائمة، كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها لكنها في الحقيقة تشكل عوائق يومية
تعمق الإقصاء وتكرس التهميش.
هذا الواقع لا يعكس فقط خللاً في البنية التحتية، بل يكشف عن
غياب رؤية شمولية تدمج ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن السياسات العمومية، حيث لا تزال
أغلب الإدارات تُبنى أو تُهيأ دون مراعاة المعايير الهندسية التي تضمن الولوجيات،
مما يجعل الولوج إلى الخدمات الإدارية معركة يومية تستنزف الجهد والكرامة.
فالمواطن الذي
يعاني من إعاقة حركية، يجد نفسه مضطراً للاعتماد على الآخرين لقضاء أبسط أغراضه،
في تناقض صارخ مع مبادئ الاستقلالية والمساواة التي يفترض أن تضمنها الدولة.
المشكلة لا تتوقف عند حدود المدن، بل تتفاقم بشكل أكبر في القرى
والمناطق الهامشية، حيث تتضاعف معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة في ظل الفقر وقلة
الإمكانيات، وغياب أي بنية تحتية ملائمة، ما يجعلهم يعيشون في عزلة قاسية، بعيداً
عن أبسط الخدمات الصحية والإدارية والتعليمية. هذه الفئة تعاني في صمت، دون أن تجد
من ينقل معاناتها أو يدافع عن حقها في الولوج المتكافئ إلى المرافق العمومية.
الخلل يمتد أيضاً إلى مستوى التصاميم المعمارية، حيث يغيب
التفكير المسبق في إدماج الولوجيات ضمن المشاريع، سواء العمومية أو الخاصة، وهو ما
يطرح مسؤولية مباشرة على المهندسين والمؤسسات المنجزة، الذين يفترض أن يجعلوا من
تهيئة الممرات الخاصة بالكراسي المتحركة، وتوفير المرافق المناسبة، أولوية لا
خياراً ثانوياً. فالهندسة المعمارية ليست مجرد بناء جدران، بل هي تعبير عن مدى
احترام المجتمع لحقوق جميع فئاته دون استثناء.
إن استمرار هذا الوضع يكرس نوعاً من التمييز غير المعلن، ويضرب
في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، حيث يُحرم ذوو الاحتياجات الخاصة من حقهم الطبيعي في
الولوج إلى الإدارة، والمشاركة في الحياة العامة، والاستفادة من الخدمات، وهو ما
ينعكس سلباً على اندماجهم الاجتماعي والاقتصادي، ويحولهم إلى فئة مهمشة رغم كل
الخطابات الرسمية التي تتحدث عن الإدماج والمساواة.
المطلوب اليوم ليس مجرد
إصلاحات سطحية، بل تحول حقيقي في طريقة التفكير، يضع كرامة الإنسان في صلب
السياسات العمومية، ويجعل من الولوجيات معياراً أساسياً في كل مشروع، مع فرض
احترام هذه المعايير بشكل صارم، ومحاسبة كل من يتهاون في تطبيقها.
فتمكين ذوي
الاحتياجات الخاصة من ولوج الإدارات ليس امتيازاً، بل حق أصيل يعكس مستوى تطور
المجتمع ووعيه بقيم العدالة والإنصاف.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك