أنتلجنسيا:أبو فراس
تحوّل بلاغ إداري حول إزالة عبارات دينية من سيارات نقل الموتى إلى شرارة نقاش أوسع بشأن معنى الحياد وحدود الهوية في المجال العام، بعدما أعاد الشيخ الحسن بن علي الكتاني نشر بيان على صدر صفحته في فيسبوك، واصفاً مضمونه بـ“الرائع والموفق”، ومتبنياً مرافعة صريحة تدعو إلى مراجعة اقرار وفتح نقاش مؤسساتي حول تنزيل مبدأ الحياد.
البيان، الذي جاء على خلفية قرار وزاري يقضي بإزالة عبارة الشهادتين وعبارة “نقل أموات المسلمين” بدعوى احترام الحياد، اعتبر أن الإجراء يثير إشكالاً في فهم المفهوم ذاته داخل دولة ينص دستورها على أن الإسلام دينها، ويجعل من المرجعية الإسلامية أحد ثوابتها الجامعة. ووفق القراءة التي تبناها الكتاني، فإن الحياد الإداري لا ينبغي أن يتحول إلى آلية لتجريد الفضاء العام من رموزه الحضارية المرتبطة بهوية الأغلبية، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمة موجّهة عملياً لأموات مسلمين، حيث تُفهم العبارة – بحسب الطرح ذاته – كتوصيف لطبيعة الخدمة لا كفرض لمعتقد.
اللافت في تدخل الكتاني أنه لم يقدّم موقفاً انفعالياً بقدر ما تبنّى خطاباً مؤطَّراً بمفاهيم دستورية، مستحضراً التوازن بين حماية حقوق الأقليات الدينية – باعتبارها مبدأً دستورياً ثابتاً – وبين صون الرموز التعريفية للأغلبية. الرسالة المركزية في مداخلته تتمحور حول رفض ما اعتبره “إعادة تعريف صامتة لهوية المجال العام” عبر تأويل موسّع لمفهوم الحياد، قد يفضي – في نظره – إلى تقليص الحضور الرمزي للدين في مرافق ترتبط عضوياً بالمرجعية الدينية للمجتمع.
تحليلياً، يعكس هذا الجدل توتراً قديماً متجدداً بين مقاربتين: الأولى ترى أن حياد المرفق العمومي يقتضي تجريد الفضاء الإداري من أي تعبير ديني، والثانية تعتبر أن الحياد لا يعني محو الخصوصية الثقافية والدستورية للدولة، بل تنظيمها في إطار جامع يضمن التعدد دون تفريغ الهوية من مضمونها. في هذا السياق، يصبح السؤال الجوهري: هل الحياد قيمة إجرائية لضمان المساواة في الخدمة، أم فلسفة شاملة لإعادة تشكيل الرمزية داخل المجال العام؟
دخول الكتاني على الخط أعاد النقاش من مستوى إداري تقني إلى مستوى فكري ودستوري، خصوصاً مع دعوته إلى نقاش مؤسساتي مسؤول يجمع بين الفاعلين المعنيين من أجل التوفيق بين حياد المرفق العمومي والمرجعية الدستورية. وهو طرح يضع الجهات المعنية أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن احترام التعدد الديني وضمان حقوق الجميع دون خلق انطباع بإقصاء الرموز التي تشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية للأغلبية؟
في المحصلة، لم يعد النقاش مقتصراً على عبارة مكتوبة على سيارة، بل اتسع ليشمل سؤال الهوية في الفضاء العمومي وحدود التأويل الإداري للنصوص الدستورية. وبين من يرى في القرار خطوة تنظيمية محضة، ومن يعتبره مساساً برمزية راسخة، يبقى الحسم رهيناً بمدى قدرة المؤسسات على إدارة هذا التوازن الحساس بعيداً عن الاستقطاب، وبما يحفظ الاستقرار الرمزي والقانوني في آن واحد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك