أنتلجنسيا المغرب: حملن ميقاتي/م.كندا
يشهد ملف إصلاح منظومة العدالة
ومحاربة الفساد في المغرب نقاشًا متصاعدًا يتجاوز الجوانب التقنية إلى عمق الإحساس
العام بالعدالة والإنصاف، في ظل مطالب متزايدة بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية
بالمحاسبة بشكل صارم لا يستثني أحدًا، مهما كان موقعه أو نفوذه داخل دواليب الدولة
أو المؤسسات العمومية.
الرأي العام يتابع بترقب كبير مسار
عدد من القضايا المرتبطة بتدبير الشأن العام والصفقات العمومية، حيث يتردد في
الخطاب المجتمعي توصيف ما يُسمى بالمجرمين الأنيقين، في إشارة إلى مسؤولين كبار
متهمين بالسطو على صفقات مالية عمومية أو بتدبير غير معقلن مقرون أحيانًا بأفعال
توصف بأنها تمت عن عمد أو عن غير عمد، ومع ذلك تنتهي بعض الملفات بأحكام يعتبرها
كثيرون مخففة أو غير متناسبة مع حجم الأضرار والخسائر التي مست المال العام.
هذا الإحساس يتعزز حين تُقارن تلك
الأحكام بما يصدر في حق مواطنين بسطاء يرتكبون جنحًا عادية، حيث تصدر في بعض
الحالات عقوبات سالبة للحرية توصف من طرف فئات واسعة بأنها قاسية، بل ويذهب البعض
إلى وصفها بأنها ليست ذات طابع تأديبي إصلاحي بقدر ما تحمل طابعًا انتقاميًا، وهو
توصيف يعكس حجم الاحتقان وليس بالضرورة توصيفًا قانونيًا دقيقًا.
في المقابل، تؤكد مؤسسات الدولة أن
القضاء مستقل وأن الأحكام تصدر بناء على معطيات الملفات والأدلة المتوفرة والنصوص
القانونية الجاري بها العمل، وأن تعميم الأحكام أو مقارنتها خارج سياقها قد يظلم
جهودًا حقيقية تُبذل لتعزيز الشفافية ومحاربة الفساد داخل الإدارة والمؤسسات
العمومية.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ترسيخ
ثقة المواطن في أن القانون يطبق على الجميع دون تمييز، وأن الجرائم المرتبطة
بالمال العام لا يمكن أن تُقابل بتساهل، لما لها من أثر مباشر على التنمية
والخدمات العمومية وحقوق المواطنين في الصحة والتعليم والشغل، وهي ملفات تشكل جوهر
العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.
كما أن ورش تخليق الحياة العامة يظل
مرتبطًا بتقوية آليات المراقبة والمساءلة، سواء عبر مؤسسات الحكامة أو أجهزة
التفتيش أو عبر الدور الرقابي للبرلمان ووسائل الإعلام، بما يضمن عدم تحول ملفات
الفساد إلى مجرد عناوين عابرة في دورة الأخبار، دون نتائج ملموسة تعيد الاعتبار
لفكرة العدالة المتساوية.
في نهاية المطاف، يبقى الرهان الأكبر
هو بناء منظومة عدالة قوية وشفافة توازن بين قرينة البراءة وصرامة المحاسبة، وتقطع
مع أي شعور بوجود معيارين مختلفين في تطبيق القانون، لأن استقرار المؤسسات وتعزيز
الثقة في الدولة يمران حتمًا عبر عدالة يشعر الجميع أنها عادلة بالفعل، لا في
النصوص فقط بل في واقع الأحكام وآثارها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك