الشيك بالمغرب لم يعد طريقًا مباشرًا إلى السجن والنيابة العامة تُعيد رسم قواعد المتابعة وتُربك منطق الزجر القديم

الشيك بالمغرب لم يعد طريقًا مباشرًا إلى السجن والنيابة العامة تُعيد رسم قواعد المتابعة وتُربك منطق الزجر القديم
تقارير / الأربعاء 04 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:فتيحة الوديع

دخلت جرائم الشيك في المغرب مرحلة قانونية جديدة تقطع مع منطق المتابعة الآلية والعقاب السالب للحرية، بعدما وجّه هشام البلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، دورية حاسمة إلى مختلف مستويات النيابة العامة، تؤسس عمليًا لانتقال نوعي في طريقة التعاطي القضائي مع هذا الصنف من القضايا التي لطالما أثقلت كاهل المحاكم والسجون معًا.

الدورية الجديدة جاءت مباشرة بعد دخول القانون رقم 71.24 حيّز التنفيذ في 29 يناير 2026، وهو القانون الذي أعاد هندسة عدد من مقتضيات مدونة التجارة المرتبطة بالشيك، واضعًا حدًا لسنوات من المقاربة الزجرية الصرفة، ومُفضّلًا منطق التسوية، والاستقرار المالي، وحماية المعاملات التجارية دون سحق الأفراد بعقوبات لم تعد منسجمة مع التحولات الاقتصادية.

أبرز ما تحمله هذه الدورية هو إقرار شرط الإعذار كخطوة إلزامية قبل تحريك الدعوى العمومية في جنحة إغفال الحفاظ على مؤونة الشيك أو تكوينها، وهو تحول جوهري ينقل مركز الثقل من المتابعة إلى منح فرصة حقيقية للساحب لتصحيح وضعه. أجل ثلاثين يومًا، قابل للتمديد، أصبح الآن حاجزًا قانونيًا بين المتهم والنيابة العامة، مع إمكانية إخضاعه لتدابير المراقبة القضائية بدل الدفع به مباشرة نحو مسار جنائي مغلق.

الأكثر دلالة في هذا التحول هو اعتبار الأداء أو التنازل، مقرونًا بغرامة مالية محددة في 2% من مبلغ الشيك أو الخصاص، مانعًا للمتابعة أو سببًا لسقوط الدعوى العمومية حسب الحالة. وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو تجفيف منبع القضايا بدل تضخيمها، وتحويل الشيك من أداة للعقاب إلى أداة لتسوية النزاعات المالية.

وعلى مستوى العقوبات، حملت الدورية رسائل مزدوجة: تخفيف حيث يجب التخفيف، وتشديد حيث يستدعي الأمر ذلك. فقد تم إلغاء العقوبة الحبسية عن جنحة قبول الشيك على سبيل الضمان، في اعتراف صريح بأن هذا السلوك، رغم مخالفته للقانون التجاري، لا يبرر الزج بالناس في السجون. في المقابل، شدّد المشرّع العقوبات في حالات التزوير أو خرق المنع من إصدار الشيكات، باعتبارها أفعالًا تمس جوهر الثقة والأمن الاقتصادي.

كما فُتح الباب أمام إيقاف تنفيذ العقوبات السالبة للحرية لفائدة المحكوم عليهم، متى تم أداء قيمة الشيك أو الحصول على تنازل، إلى جانب تسديد الغرامات، وهو ما يعزز فلسفة “الفرصة الأخيرة” بدل منطق الإغلاق النهائي للملف بعقوبة سجنية.

في المقابل، حرصت الدورية على رسم خطوط حمراء واضحة، باستثناء جرائم الشيك المنصوص عليها في المادة 316 من مدونة التجارة من تطبيق قانون العقوبات البديلة، مع توحيد التكييف القانوني للجريمة في وصف دقيق هو: إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها قصد أداء الشيك عند تقديمه، في خطوة تهدف إلى إنهاء التفاوت في التوصيف والاجتهاد بين المحاكم.

وختمت رئاسة النيابة العامة توجيهاتها بالتشديد على التطبيق الفوري لهذه المقتضيات المسطرية، مع تمتيع القضايا الجارية بالمقتضيات الموضوعية الأصلح للمتهم، في رسالة واضحة مفادها أن المرحلة الجديدة لا تحتمل التأويل الفضفاض ولا التنفيذ الانتقائي.

ما يحدث اليوم ليس مجرد تعديل تقني في نص قانوني، بل تحول عميق في فلسفة التعاطي مع الشيك، من أداة زجر وسجن إلى آلية ضبط وتسوية. وهو تحول سيعيد ترتيب علاقة القضاء بالاقتصاد، ويختبر في الآن نفسه قدرة النيابات العامة والمحاكم على تنزيل القانون بروح الإصلاح لا بعقلية الماضي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك