أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
في خطوة تحمل أكثر من دلالة اقتصادية وسيادية، أعلنت شركة “دبي لصناعات الطيران” عن توقيع اتفاق لتأجير 13 طائرة من طراز “بوينغ 737-8” لفائدة الخطوط الملكية المغربية، في وقت لم يعد فيه اقتناء الطائرات مباشرة من المصنعين خياراً متاحاً بسهولة. الصفقة، التي سيبدأ تنفيذها ابتداءً من سنة 2027، تعكس تحوّلاً لافتاً في استراتيجية الناقل الوطني، وتكشف في العمق اختلالات بنيوية في سوق الطيران العالمي، وتحديات ثقيلة تواجه طموحات المغرب الجوية.
الشركة الإماراتية أوضحت، في بيان رسمي، أن الاتفاق يندرج ضمن شراكة متواصلة مع الخطوط الملكية المغربية، بعدما سبق للطرفين الاتفاق على تأجير طائرتين من الطراز نفسه سيتم تسليمهما سنة 2025. ويُسجل هذا التعاون كأول تجربة للناقل المغربي في الاعتماد على شركات خليجية لتأجير الطائرات، بعد عقود من التعامل شبه الحصري مع شركات أوروبية وأميركية، ما يعكس تحوّلاً جيوـاقتصادياً في خيارات الرباط، واصطفافاً جديداً في خريطة تمويل النقل الجوي.
من جهته، قدم عبد الحميد عدو، الرئيس المدير العام للخطوط الملكية المغربية، الصفقة باعتبارها جزءاً من رؤية استراتيجية تروم تعزيز موقع الشركة كمركز ربط دولي، قادر على توسيع شبكته ورفع وتيرة الرحلات، خاصة بين إفريقيا وأوروبا وباقي الوجهات العابرة. غير أن هذا الخطاب الطموح يصطدم بواقع أكثر تعقيداً، يتمثل في عجز شركات الطيران، بما فيها الناقلات الوطنية، عن الحصول على الطائرات الجديدة في آجال معقولة بسبب تراكم الطلبيات وتأخر التسليم لدى كبار المصنعين.
هذا الواقع فرض على الخطوط الملكية المغربية اللجوء إلى خيار التأجير كحل اضطراري، في وقت سبق أن أعلنت فيه عن خطة توسع ضخمة تستهدف بلوغ أسطول يناهز 200 طائرة، أي ما يقارب أربعة أضعاف الحجم الحالي. غير أن الفجوة بين الطموح والإمكانات كشفتها التأخيرات الصناعية العالمية، التي حوّلت التوسع من مشروع سيادي طويل الأمد إلى عملية تدبير مؤقتة تقوم على الاستئجار بدل الامتلاك.
في المقابل، تبرز “دبي لصناعات الطيران” كأحد المستفيدين الكبار من هذا الاختناق العالمي، بعدما عززت موقعها في سوق تأجير الطائرات عبر الاستحواذ، السنة الماضية، على مجموعة “نورديك أفييشن كابيتال” في صفقة قاربت ملياري دولار. هذا التوسع رفع أسطول الشركة إلى حوالي 750 طائرة مملوكة ومدارة وقيد الطلب، ما جعلها ثالث أكبر فاعل عالمي في هذا القطاع، وقوة مالية قادرة على فرض شروطها على شركات طيران تبحث عن حلول سريعة للبقاء في سباق المنافسة.
وتكشف هذه الصفقة، في بعدها الأعمق، أن معركة السماء لم تعد تُحسم فقط بعدد الطائرات أو الوجهات، بل بقدرة الدول وشركاتها على التحكم في أدوات النقل الاستراتيجي. فبين طموح مغربي للتموقع كجسر جوي بين القارات، وواقع دولي يحتكر فيه المصنعون وشركات التأجير مفاتيح الأساطيل، يجد الناقل الوطني نفسه مضطراً لاستئجار أجنحته، في انتظار أن تسمح موازين السوق العالمية بتحقيق سيادة جوية كاملة لا تزال مؤجلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك