أنتلجنسيا:سميرة زيدان
دخلت سلطات الإدارة الترابية بعدد من الجهات الكبرى بالمغرب مرحلة غير مسبوقة من التشدد في مواجهة الفوضى التي ظلت لعقود تحيط بالمناطق الصناعية العشوائية، بعدما تقرر عزل تجمعات كاملة وتعليق تزويدها بالماء والكهرباء، في خطوة كشفت حجم الاختلالات التي راكمها منتخبون حاليون وسابقون حولوا النفوذ الانتخابي إلى غطاء لنهب الموارد العمومية.
القرارات التي همّت جهات الدار البيضاء–سطات ومراكش–آسفي والرباط–سلا–القنيطرة، جاءت عقب تقارير رسمية أكدت تورط وحدات صناعية غير مهيكلة في سرقة التيار الكهربائي واستنزاف موارد مائية موجهة أساسًا لتزويد دواوير تعاني العطش، في مفارقة صادمة تبرز كيف تُحوَّل الثروة العمومية إلى امتياز خاص لفائدة قلة نافذة.
مصادر مطلعة أفادت أن السلطات الإقليمية تستعد لإدراج مقررات حاسمة في دورات فبراير المقبلة، بهدف تفعيل سياسة صارمة في تدبير استهلاك الماء والكهرباء، تشمل تعليق الربط نهائيًا عن مناطق صناعية عشوائية تتمركز أساسًا في ضواحي المدن الكبرى، وعلى رأسها محيط العاصمة الاقتصادية، حيث تحولت الأراضي الفلاحية إلى فضاءات إنتاج غير قانونية خارج أي مراقبة.
التحقيقات المنجزة من طرف أقسام “الشؤون الداخلية” وأعوان السلطة كشفت معطيات أكثر خطورة، تتعلق بسرقة مياه من صهاريج وآبار جماعية مخصصة لسكان قرويين، إضافة إلى ربط غير مشروع بمحولات كهرباء مسجلة باسم جماعات ترابية، في خرق سافر للقانون وتواطؤ صامت امتد لسنوات.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن نافذين ومالكي وحدات صناعية عشوائية لم يكتفوا بالاستفادة غير المشروعة من الماء والكهرباء، بل مارسوا ضغوطًا مباشرة على رؤساء جماعات وابتزوا مجالس منتخبة لفرض استغلال آبار جماعية لتزويد معامل سرية، تنشط في صناعات ملوثة مثل الأكياس البلاستيكية السوداء وإعادة تدوير المتلاشيات الحديدية، إضافة إلى مقاهٍ ومطاعم وحمامات شعبية جرى ربطها خفية بشبكات التطهير، رغم تشييدها فوق أراضٍ فلاحية في خرق واضح للتشريعات الجاري بها العمل.
وفي واحدة من أكثر الحالات دلالة، أقدم رئيس جماعة بضواحي الدار البيضاء على قطع الماء عن حمام شعبي في ملكية عضو جماعي سابق، ظل لسنوات يستفيد من سقاية عمومية سرية مستندًا إلى نفوذه السياسي السابق، قبل أن يُكشف الأمر ويُتخذ قرار وضع حد لهذا الامتياز غير المشروع.
التحريات أظهرت كذلك أن انتهاء الانتداب السياسي لبعض المنتخبين لم يكن نهاية لاستغلالهم غير القانوني للموارد، إذ استمر الربط السري بالماء والكهرباء إلى أن تدخلت السلطات الحالية، في مؤشر على حجم التراكمات التي خلفتها سنوات من التغاضي والتواطؤ.
وتكشف المعطيات الميدانية أن ضواحي المدن الكبرى تحولت إلى بؤر حقيقية للصناعة العشوائية، حيث يتحكم “بارونات” البناء غير القانوني في المجال القروي، مستفيدين من حماية منتخبين نافذين حوّلوا الأراضي الفلاحية وأراضي الدولة إلى ورش مفتوحة للخروقات العمرانية. بعض هذه الحالات تعود لمنتخبين سبق عزلهم بسبب البناء العشوائي، قبل أن يعاودوا السيطرة على المشهد عبر توريث المناصب لأقاربهم، في استباحة واضحة للقانون وهيبة الدولة.
في المقابل، دخلت الإدارة المركزية على الخط، بعد تفعيل لجان تفتيش إقليمية لتنزيل مضامين الدورية الصادرة عن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، التي أعلنت حالة استنفار وطني بسبب الوضعية الحرجة التي تعرفها الأحواض المائية، ودعت إلى تفعيل آليات المراقبة المنصوص عليها في قانون الماء، في ظل أزمة عطش تهدد الأمن المائي بالمملكة.
وتحاول سلطات الأقاليم اليوم تسريع وتيرة تسوية وضعية مساحات شاسعة جرى تحويلها إلى مناطق صناعية عشوائية، سبق أن كانت موضوع تقارير سوداء للمفتشية العامة للإدارة الترابية والمجلس الأعلى للحسابات، الذي حذر منذ سنوات من انتشار هذه الظاهرة، موثقًا وجود آلاف الوحدات الصناعية غير المهيكلة في ضواحي المدن، وسط غياب التنسيق وضعف المراقبة.
ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بقرارات تقنية لقطع الماء والكهرباء، بل يعكس مواجهة متأخرة مع اقتصاد ظلّ محمي سياسيًا، ومع شبكات نفوذ راكمت أرباحًا على حساب القانون وحقوق المواطنين في الماء والكهرباء. وهو اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على فرض سلطة القانون، ليس فقط على الهامش، بل داخل معاقل اللوبيات التي ظلت لعقود فوق المساءلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك