مأزق الوساطة الحزبية في المغرب

مأزق الوساطة الحزبية في المغرب
تقارير / الجمعة 23 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

مقدمة:إشكالية الأزمة البنيوية للأحزاب السياسية

تعتبر الأحزاب السياسية، في أي نظام ديمقراطي، القناة الرئيسية للوساطة بين الدولة والمجتمع، والمحرك الأساسي لعملية التنشئة السياسية وتداول النخب. إلا أن المشهد الحزبي في المغرب، كما تشير إليه غالبية الدراسات السياسية ، يعيش أزمة بنيوية عميقة لا تقتصر على ضعف الأداء، بل تمس جوهر وظيفته التمثيلية والتأطيرية.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن أزمة الأحزاب السياسية المغربية هي نتاج لتفاعل معقد بين منطق الريع السياسي الذي يحدد علاقتها بالسلطة، وتاكل الثقة المؤسساتية الذي يحدد علاقتها بالمجتمع. هذا التفاعل أدى إلى تحويل الأحزاب من مؤسسات وساطة إلى هياكل لإنتاج وتوزيع الامتيازات، مما أفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها.

أهداف الدراسة:

1.تشخيص الأبعاد البنيوية لأزمة الأحزاب السياسية المغربية.

2.تحليل اليات عمل منطق الريع السياسي وتأثيره على استقلالية القرار الحزبي.

3.دراسة مظاهرغياب الثقة السياسية وتداعياتها على المشاركة المجتمعية.

4.اقتراح مسارات إصلاحية جذرية للانتقال من البنية الريعية إلى البنية المواطنية.

المبحث الأول: التشخيص البنيوي لأزمة الأحزاب (منطق الريع والزبونية)

تتجسد الأزمة البنيوية للأحزاب في مجموعة من المظاهر الهيكلية التي تحول دون قيامها بأدوارها الدستورية والسياسية.

1 الريع السياسي وغياب الاستقلالية الحزبية

يعرف الريع السياسي بأنه (الحصول على منافع أو امتيازات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، لا ترتبط بالإنتاج أو الكفاءة، بل بالارتباط بالسلطة أو القرب من مراكز النفوذ) . في السياق الحزبي يشكل منطق الريع أحد المفاتيح التفسيرية الأكثر عمقا لفهم أعطاب الفعل الحزبي تتجلى هذه التبعية في أشكال متعددة، لعل أخطرها هو التحكم غير المعلن في القرار الحزبي من خلال التمويل العمومي المشروط، أو عبر التأثير في مسارات الترشيح، وصناعة القيادات، وتوجيه الخيارات الاستراتيجية. هذه الآليات لا تلغي التعددية شكليا، لكنها تفرغها من مضمونها، حيث تصبح الأحزاب متشابهة في حدودها ووظائفها، مختلفة فقط في الخطاب أو الواجهة. في هذا السياق، يفقد الانتماء الحزبي معناه السياسي ليغدو انتماء وظيفيا، يهدف إلى التموقع داخل شبكة السلطة بدل مساءلتها أو موازنتها.

ومن رحم هذه التبعية يتغذى الريع الانتخابي والوظيفي، حيث يتحول العمل الحزبي، وخاصة الترشح للمناصب التمثيلية والتنفيذية، إلى مسار شبه مضمون للترقي الاجتماعي والاقتصادي. فالمقاعد البرلمانية، والحقائب الوزارية، والمجالس المحلية، لم تعد في وعي كثير من الفاعلين السياسيين أدوات لتنزيل البرامج وخدمة الصالح العام، بل صارت منافذ للامتيازات: رواتب مرتفعة، حصانة سياسية، نفاذ إلى شبكات المصالح، وإمكانيات التوسط والتأثير. بهذا المعنى، ينتقل الحزب من كونه وسيلة للتعبير عن تطلعات المواطنين إلى جسر للعبور نحو الثروة والنفوذ، وتتحول المنافسة الانتخابية من صراع مشاريع إلى تنافس على مواقع الريع.

هذا المنطق لا يقف عند حدود الأفراد، بل يعيد إنتاج نفسه مؤسساتيا، إذ تصبح البنية الحزبية نفسها قائمة على منطق التوزيع الداخلي للفرص والامتيازات، ما يعمق الانتهازية ويقوض أي إمكانية لبناء نخب سياسية مستقلة أو ذات مشروعية اجتماعية. وفي ظل هذا الوضع، تختزل السياسة في حسابات انتخابية ضيقة، وتهمش القضايا البنيوية المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والحريات، لأنها لا تدر ريعا مباشرا ولا تخدم منطق التموقع السريع داخل السلطة.

أما النتيجة الأعمق لهذا المسار، فهي تفريغ الفعل الديمقراطي من مضمونه الحقيقي. فالانتخابات، التي يفترض أن تكون الية للتداول والمحاسبة والاختيار الحر بين بدائل سياسية، تتحول إلى طقوس شكلية لإعادة توزيع الحصص بين نخب مستفيدة سلفا من النظام القائم. تختفي البرامج الجدية، ويضعف النقاش العمومي، ويتكرس العزوف الشعبي، لأن المواطن يدرك، بوعي أو حدس، أن صوته لا يغير موازين حقيقية، بل يضفي شرعية شكلية على نتائج محسومة في العمق. وهكذا تدخل العملية السياسية في حلقة مفرغة: أحزاب فاقدة للاستقلال، نخب ريعية، انتخابات بلا تنافس فعلي، ومجتمع يزداد بعدا عن السياسة.

إن خطورة هذا النمط لا تكمن فقط في إنتاج الفساد، بل في تطبيعه وجعله جزءا من القواعد غير المعلنة للعبة السياسية. فحين يصبح الريع هو المحرك الأساسي للسلوك الحزبي، تفقد الديمقراطية بعدها القيمي والتحرري، وتتحول إلى تقنية إدارة للنخب بدل كونها أفقا لمشاركة المواطنين. لذلك، فإن أي حديث جدي عن إصلاح سياسي أو ديمقراطي يظل فارغا ما لم يستهدف هذا المنطق في جذوره، عبر إعادة الاعتبار للاستقلال الحزبي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفصل التمثيل السياسي عن الامتياز الريعي، بما يعيد للسياسة معناها كخدمة عمومية لا كاستثمار خاص.

2 الزبونية وغياب الديمقراطية الداخلية

يرتبط الريع السياسي ارتباطا وثيقا بظاهرة الزبونية السياسية  وهي نظام تبادل غير متكافئ بين نخب سياسية (الزبون) وقواعد اجتماعية (العميل)، حيث يتم تبادل الدعم الانتخابي مقابل خدمات شخصية أو منافع ضيقة.

أولا أزمة التجديد النخبوي:

يعد غياب الديمقراطية الداخلية أحد أبرز مظاهر الأزمة. فالمؤتمرات الحزبية غالبا ما تكون مجرد (مناسبات شكلية لتزكية القيادة القائمة). هذا التصلب الهيكلي يمنع تداول النخب ويقصي الكفاءات الشابة والنسائية، التي تواجه التهميش بفعل:

منطق الولاءات الشخصية والعائلية: حيث يتم تقديم الولاء على الكفاءة.

سيطرة الأجيال القديمة: التي تحتكر مواقع القرار وتعيق ضخ دماء جديدة قادرة على التفاعل مع تحولات المجتمع.

ثانيا: ضعف الثقافة السياسية:

لا يزال منطق الاعتبارات الاجتماعية والرمزية (العائلة، القبيلة، الوجاهة) يهيمن على عملية الترشح والاختيار، بدلا من الكفاءة والبرنامج السياسي. هذا التوجه يفرغ العمل السياسي من محتواه البرامجي ويحول الحزب إلى مجرد (واجهة انتخابية فاقدة للرؤية) .

المبحث الثاني: غياب الثقة السياسية ومظاهر الانفصال

إن النتيجة المباشرة لتفشي منطق الريع والزبونية هي تاكل الثقة السياسية، وهو ما يعكس انفصالا متزايدا بين المؤسسات الحزبية والجمهور.

1 مظاهرغياب الثقة وتداعياتها

يقاس غياب الثقة السياسية بمؤشرين رئيسيين: فقدان المصداقية والعزوف عن المشاركة. 

إن الأزمة التي تعصف بالعديد من الأنظمة السياسية المعاصرة لا تكمن بالضرورة في انهيار مفاجئ، بل في عملية تآكل صامتة ومستمرة تطال جوهر الشرعية وميكانزمات التمثيل. هذه العملية، التي تتجلى في مظاهر متعددة، تهدد بتحويل البنى الديمقراطية أو شبه الديمقراطية إلى هياكل فارغة، حيث تستمر الطقوس السياسية دون أن تحمل أي مضمون حقيقي أو تأثير فعلي على حياة المواطنين. ويشكل هذا التآكل تحدياً وجودياً لاستقرار النظام وقدرته على الاستجابة للتطلعات الشعبية.

لعل أبرز مظاهر هذا الغياب هو العزوف الشعبي عن المشاركة، الذي يتجاوز مجرد الامتناع عن التصويت ليصبح حالة من الاغتراب السياسي العميق. تتجسد هذه الظاهرة في انخفاض مطرد في نسب التصويت، لا سيما بين فئة الشباب، التي تشكل القوة الديموغرافية القادرة على إحداث التغيير. إن إدراك هذه الفئة بأن مشاركتها "لا تحدث فرقاً حقيقياً" هو نتيجة مباشرة لتجربة متكررة حيث لا تؤدي صناديق الاقتراع إلى تغيير ملموس في السياسات العامة أو في توزيع الثروة والسلطة. فالانتخابات، في نظرهم، تتحول إلى مجرد "إعادة تدوير للوجوه" السياسية القديمة التي تتبادل الأدوار دون تغيير في المنهج أو الأهداف. وتكمن خطورة هذا العزوف في أنه يفسح المجال أمام الأقلية المنظمة، وهي غالباً الفئة المستفيدة من الريع والمصالح الضيقة، لفرض هيمنتها على المشهد السياسي. هذه الأقلية، التي تتمتع بحافز عالٍ للمشاركة والتنظيم، تستغل الفراغ الذي يخلفه انسحاب الأغلبية الصامتة، مما يضمن استمرار حلقة الاستفادة من الوضع القائم وتعميق الهوة بين النخبة الحاكمة وعموم الشعب.

ويترافق هذا العزوف مع ظاهرة لا تقل خطورة، وهي تشويه صورة السياسة في الوعي الجمعي. فبدلا من أن ينظر إلى السياسة على أنها مجال للتنافس حول البرامج والبدائل الاقتصادية والاجتماعية التي تهدف إلى تحسين حياة المواطنين، تتحول إلى صراع على المناصب والامتيازات الشخصية والفئوية. هذا التحول في التصور يجرد العمل السياسي من نبله وغايته العامة، ويختزله في عملية مقايضة للمصالح. ونتيجة لذلك، يوضع الفاعلون السياسيون، سواء كانوا في السلطة أو المعارضة، في مرمى الاتهام الشعبي الدائم بالفساد أو الانتهازية. هذا التشويه لا يقتصر تأثيره على الأفراد، بل يقوض أي محاولة جادة لاستعادة الاعتبار للعمل الحزبي والسياسي المنظم، ويجعل من الصعب على أي قوة سياسية جديدة أو إصلاحية أن تحظى بثقة الجمهور، إذ ينظر إليها مسبقا بعين الشك والريبة، مما يغلق الباب أمام التجديد والإصلاح الحقيقي.

أما المظهر الثالث والأكثر فتكا، فهو الخلل الوظيفي للمؤسسات المنتخبة، الذي يمثل تتويجا للمظهرين السابقين. فالمؤسسات التشريعية، كالبرلمان والمجالس المحلية، التي يفترض أن تكون فضاءات لصناعة السياسات العامة والتشريع الذي يخدم المصلحة الوطنية، تتحول إلى أماكن لتبادل المصالح والصفقات السياسية الخاصة. هذا التحول يعني أن وظيفة المؤسسة لم تعد تتمحور حول المساءلة والرقابة على السلطة التنفيذية أو تمثيل إرادة الناخبين، بل حول تلبية احتياجات شبكات المصالح التي أوصلت أعضاءها إلى هذه المقاعد. هذا الخلل الوظيفي يعمق الإحساس بانعدام المساءلة، حيث يرى المواطن أن القرارات تتخذ خلف الأبواب المغلقة لخدمة فئة معينة، وليس وفقا لمبدأ الشفافية والمصلحة العامة. وفي نهاية المطاف، يؤدي هذا الفشل في أداء الوظيفة الأساسية إلى فقدان المؤسسات لشرعيتها الوظيفية، فتصبح مجرد ديكور شكلي لا يعكس حقيقة السلطة أو يمارسها بفعالية، مما يهدد بتفكيك العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.

إن هذه المظاهر الثلاثة ليست منفصلة، بل هي حلقات متصلة في سلسلة تأكل الشرعية السياسية. فالعزوف الشعبي يغذي تشويه صورة السياسة، وكلاهما يؤدي إلى الخلل الوظيفي للمؤسسات، الذي بدوره يعزز العزوف والتشويه في حلقة مفرغة. 

 إن معالجة هذه الأزمة تتطلب أكثر من مجرد إصلاحات شكلية بل تستدعي استراتيجية شاملة لإعادة بناء الثقة، تبدأ بإعادة الاعتبار للمشاركة كفعل مؤثر، وتطهير المشهد السياسي من هيمنة المصالح الضيقة، والأهم من ذلك، استعادة المؤسسات المنتخبة لوظيفتها الأساسية كأدوات حقيقية لخدمة الصالح العام والمساءلة.

2التحول الرقمي وأزمة الوساطة الحزبية 

في ظل التطور التكنولوجي، ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء جديد للتعبير السياسي والاحتجاج. هذا التحول فاقم من أزمة الأحزاب التقليدية لسببين:

1تجاوز الوساطة التقليدية: أصبح المواطنون، وخاصة الشباب، يتجاوزون الأحزاب في التعبير عن مطالبهم، مفضلين الحركات الاحتجاجية غير المؤطرة (مثل حراك الريف) أو منصات التواصل المباشرة.

2المطالبة بالشفافية الفورية: تفرض المنصات الرقمية معايير عالية من الشفافية والمساءلة الفورية، وهو ما يتعارض مع ثقافة الأحزاب القائمة على السرية والبطء في الاستجابة. فشل الأحزاب في استيعاب هذه الأدوات وتحويلها إلى قنوات للتواصل الفعال، أبقاها في حالة انفصال عن نبض الشارع.

المبحث الثالث: افاق الإصلاح ورهانات الانتقال من الريع إلى المواطنة

إن إصلاح المشهد الحزبي يتطلب حزمة من الإجراءات الجذرية التي تتجاوز الإصلاحات القانونية السطحية لتصل إلى إعادة بناء العلاقة بين الحزب والمواطن.

1الإصلاح المؤسساتي والقانوني  

يمثل الإصلاح المؤسساتي والقانوني مدخلا حاسما لمعالجة أعطاب الحقل الحزبي واستعادة الثقة في العمل السياسي، شريطة أن لا يختزل في تعديلات شكلية أو شعارات عامة، بل أن ينصرف إلى تفكيك البنى التي راكمت التبعية والريع والزبونية داخل الفعل الحزبي والمؤسسات التمثيلية. فالرهان الجوهري لا يتعلق فقط بوجود أحزاب قانونيا، بل بمدى استقلال قرارها، ونجاعة أدوارها التمثيلية، وقدرتها على إنتاج نخب سياسية مسؤولة وخاضعة للمساءلة.

إن تحرير القرار الحزبي يقتضي إعادة بناء العلاقة بين الدولة والأحزاب على أساس الاستقلال الوظيفي لا الوصاية المقنعة. فالإطار القانوني الحالي لتمويل الأحزاب، رغم ما يوفره من دعم عمومي، ساهم عمليا في إنتاج تبعية مالية أفرغت القرار الحزبي من استقلاليته، وحولت عددا من التنظيمات السياسية إلى كيانات تعيش على منطق الحد الأدنى من الامتثال مقابل استمرار الدعم. من هنا تبرز ضرورة ربط التمويل العمومي بمعايير دقيقة وقابلة للقياس تتجاوز عدد الأصوات والمقاعد، لتشمل جودة الديمقراطية الداخلية، وانتظام المؤتمرات، وشفافية آليات اختيار القيادات، ومدى احترام التداول على المسؤوليات داخل الحزب. فالحزب الذي لا يمارس الديمقراطية داخليا لا يمكنه ادعاء الدفاع عنها في الفضاء العام.

كما أن إعادة توجيه جزء معتبر من التمويل العمومي نحو برامج التكوين السياسي يشكل شرطا أساسيا لإعادة الاعتبار للعمل الحزبي بوصفه فضاء للتأطير لا مجرد الة انتخابية موسمية. فغياب الاستثمار في التكوين الفكري والسياسي يفتح الباب أمام الرداءة والبراغماتية الفجة، وينتج نخبا عاجزة عن صياغة السياسات العمومية أو مراقبة العمل الحكومي بفعالية. ويزداد هذا الخلل حدة عندما يتعلق الأمر بالشباب والنساء، حيث غالبا ما يتم استحضارهم كواجهة رمزية دون تمكين فعلي أو إدماج حقيقي في مراكز القرار الحزبي، وهو ما يستدعي اليات قانونية تلزم الأحزاب بتخصيص موارد وبرامج واضحة لتمكين هذه الفئات، وربط ذلك باستمرار استفادتها من الدعم العمومي.

أما على مستوى مكافحة الريع والزبونية، فإن الإصلاح الحقيقي يمر عبر تفكيك العلاقة المرضية بين المنصب التمثيلي والامتياز الشخصي. فقد تحولت العديد من المناصب المنتخبة، سواء البرلمانية أو المحلية، إلى مداخل للريع المادي والرمزي، ما شجع على التنافس غير النزيه، وأفرغ فكرة الخدمة العمومية من مضمونها. لذلك يصبح من الضروري إعادة النظر في منظومة الامتيازات المرتبطة بهذه المناصب، سواء من حيث التعويضات أو الامتيازات الموازية، وربطها بشكل مباشر بمؤشرات أداء واضحة، مثل الحضور الفعلي، والمبادرات التشريعية، وجودة العمل الرقابي، والتواصل المنتظم مع المواطنين. إن ربط المسؤولية بالنتائج لا يعد إجراء عقابيا، بل الية لإعادة الاعتبار للأخلاق السياسية وتحفيز النجاعة.

وفي السياق ذاته، تبرز الشفافية الرقمية كأداة مركزية لتقويض شبكات الزبونية، خاصة على المستوى المحلي حيث تتقاطع المصالح السياسية مع الصفقات العمومية والتدبير اليومي للشأن العام. فاعتماد منصات رقمية موحدة لتدبير الصفقات، ونشر المعطيات المالية، وتتبع المشاريع العمومية، من شأنه أن يحد من السلطة التقديرية الواسعة التي تستغل غالباً في إنتاج الولاءات وتبادل المصالح. كما أن إتاحة هذه المعطيات للعموم، بما فيها المجتمع المدني والإعلام، يعزز منطق الرقابة المجتمعية، ويجعل الفساد أكثر كلفة سياسيا وأخلاقياً

إن الإصلاح المؤسساتي والقانوني، في جوهره، ليس مجرد مسألة نصوص وتشريعات، بل هو عملية إعادة هندسة للعلاقة بين السياسة والأخلاق، وبين السلطة والمسؤولية، وبين الحزب والمجتمع. فدون تحرير القرار الحزبي من التبعية، وتجفيف منابع الريع، وتكريس الشفافية والمساءلة، ستظل أي محاولة للإصلاح عرضة لإعادة الإنتاج داخل المنظومة نفسها، مهما بدت لغتها حداثية أو وعودها طموحة.

2 تجديد الخطاب واستعادة الوظيفة التمثيلية

يتطلب الإصلاح استعادة الوظيفة الجوهرية للحزب كقناة للوساطة والتأطير:

1الانتقال إلى الخطاب البرامجي: يجب على الأحزاب أن تنتقل من الشعارات العامة إلى البرامج المفصلة القائمة على أرقام ومؤشرات قياس زمنية واضحة، تعالج القضايا الحقيقية للمواطنين (الصحة، التعليم، التشغيل). هذا الخطاب البرامجي هو ما يمنح الناخب فرصة حقيقية لتقييم الأحزاب بناء على النتائج لا الأقوال.

2الانفتاح على الأجيال الجديدة: يجب على الأحزاب أن تتبنى سياسات التمكين الحقيقي للشباب، ليس فقط عبر تخصيص حصص شكلية، بل عبر إدماجهم في الهيئات القيادية وصناعة القرار. الشعور بأن السياسة تخاطبهم وتمنحهم دوراً هو الشرط الأساسي لاستعادة ثقتهم.

3توسيع فضاء الحريات: إن أي إصلاح داخلي للأحزاب يظل محدودا ما لم يترافق مع توسيع فضاء الحريات العامة (حرية التعبير، حرية التنظيم، استقلالية الإعلام والمجتمع المدني). فالديمقراطية لا تقوى إلا بوجود مجتمع مدني حر وفاعل يمارس الضغط والمساءلة على الأحزاب والسلطة على حد سواء .

خاتمة 

تؤكد هذه الدراسة أن أزمة الأحزاب السياسية المغربية هي أزمة نظام وساطة بأكمله، حيث أدى منطق الريع السياسي إلى إفراغ الأحزاب من وظيفتها التمثيلية، مما أدى بدوره إلى تآكل الثقة المؤسساتية وعزوف المواطنين. إن التحول من منطق الريع إلىمنطق المواطنة ليس قدرا محتوما، بل هو رهان يتطلب إرادة سياسية جادة وضغطا مجتمعيا مستمرا.

التوصيات الرئيسية:

1.تفعيل المنهج المؤسساتي في المساءلة: إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة الديمقراطية الداخلية للأحزاب وربط التمويل العمومي بمدى التزامها بتداول النخب والشفافية المالية.

2.إعادة تعريف المنصب السياسي: تقليص الامتيازات المادية للمناصب المنتخبة لضمان أن يكون الدافع للترشح هو الخدمة العامة وليس الريع الشخصي.

3.الاستثمار في التكوين السياسي: توجيه جزء كبير من الدعم العمومي للأحزاب نحو برامج التكوين السياسي والبرامجي للكفاءات الشابة، لإنتاج نخب قادرة على صياغة سياسات عامة فعالة.

4.تعزيز الشفافية الرقمية: استخدام التكنولوجيا لزيادة شفافية العمليات الانتخابية وتدبير الشأن العام المحلي، لتقويض شبكات الزبونية والفساد.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك