أنتلجنسيا:أبو جاسر
تدخل الساحة السياسية في المغرب مرحلة مفصلية مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة التي تفصل البلاد عنها أشهر قليلة فقط، وهي فترة تبدو قصيرة في حساب الزمن السياسي لكنها كافية لإثارة سؤال عميق يفرض نفسه بقوة داخل النقاش العمومي: هل ستكون هذه الانتخابات بداية تحول حقيقي في تركيبة النخب السياسية، أم أنها ستتحول مرة أخرى إلى محطة جديدة لإعادة تدوير نفس الوجوه والخطابات التي اعتاد المغاربة رؤيتها منذ سنوات طويلة؟
المؤشرات الأولية التي بدأت تظهر في الأفق لا توحي بتغيير جذري في قواعد اللعبة السياسية. فمع بداية التحركات الحزبية المبكرة، عادت إلى الواجهة نفس الأساليب القديمة في الاستقطاب ونفس اللغة السياسية التي تستهلكها الحملات الانتخابية منذ عقود. أحزاب تختلف في الشعارات لكنها تتقاطع في الممارسة، وفاعلون سياسيون يتنقلون بسهولة بين المرجعيات الفكرية المختلفة، من اليمين إلى اليسار ومن الخطاب الاجتماعي إلى الاقتصادي دون أن يترك ذلك أثراً حقيقياً على المواقف أو البرامج، وكأن العمل السياسي فقد في بعض جوانبه عمقه الفكري وتحول إلى مجرد وسيلة للوصول إلى موقع انتخابي جديد.
غير أن التحولات التي يعرفها المغرب اليوم تجعل من هذا النقاش أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالبلاد تتحرك في سياق دولي سريع التغير، وتعيش في الوقت نفسه دينامية اقتصادية واستثمارية متصاعدة، كما تستعد لاستحقاقات كبرى في الأفق، أبرزها الاستعدادات لتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030 إلى جانب شركاء دوليين، وهو حدث ضخم يرتبط بسلسلة من المشاريع الكبرى في مجالات البنية التحتية والاقتصاد والخدمات.
هذه المرحلة المفصلية لا تبدو متسقة مع استمرار منطق تدوير الأعيان أو التعامل مع المقاعد الانتخابية كغنائم موسمية تتكرر في كل دورة انتخابية. فالمغرب الذي يتحرك بسرعة في ميادين الاقتصاد والاستثمار يحتاج إلى مؤسسات منتخبة تتحرك بالوتيرة نفسها، وإلى نخب سياسية قادرة على التفكير الاستراتيجي وصناعة السياسات العمومية، لا فقط إدارة الحملات الانتخابية وبناء التحالفات الظرفية.
على مدى سنوات طويلة، تحولت صناديق الاقتراع في بعض الدوائر الانتخابية إلى آلية لإعادة إنتاج نفس الشبكات المحلية التي تحسم النتائج في الكواليس قبل أن تحسمها الأصوات. النفوذ المحلي، المال الانتخابي، وشبكات المصالح ظلت عوامل مؤثرة في تشكيل الخريطة السياسية، ما جعل المشهد يتكرر في كل استحقاق تقريباً: نفس الوجوه تعود، نفس الوعود تُرفع، ونفس خيبة الأمل تتكرر بعد انتهاء الانتخابات.
في هذا السياق، جاء النقاش المتصاعد حول تخليق الحياة السياسية ومحاربة الفساد الانتخابي ليعيد فتح ملف طال انتظاره. فالدعوات إلى تشديد القوانين لمنع المتورطين في جرائم المال العام أو الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية من الترشح للانتخابات تعكس رغبة في إعادة الحد الأدنى من المصداقية إلى العمل السياسي وإرسال رسالة واضحة مفادها أن السياسة لا يمكن أن تبقى ملاذاً لمن تلاحقهم شبهات الفساد.
لكن التجارب السابقة أظهرت أن القوانين وحدها لا تكفي لتغيير الواقع. فشبكات النفوذ الانتخابي غالباً ما تجد طرقاً جديدة للالتفاف على القيود القانونية، سواء عبر الدفع بمرشحين جدد يحملون نفس المصالح القديمة، أو عبر إعادة ترتيب التحالفات داخل الأحزاب بما يسمح بإعادة إنتاج نفس موازين القوة.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي يتجاوز مجرد سن القوانين إلى الحاجة لتغيير ثقافة سياسية كاملة. فالإشكال لا يرتبط فقط بمن يترشح، بل أيضاً بكيفية إدارة الحملات الانتخابية ونوعية الخطاب السياسي الذي يُقدم للناخبين.
اليوم، ومع التحولات العميقة التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الحملات الانتخابية تدور فقط في الأسواق والساحات العمومية، بل انتقل جزء كبير منها إلى الفضاء الرقمي حيث يمكن للصورة المصقولة أن تخفي فراغاً سياسياً عميقاً، وحيث تختلط البرامج بالشعارات والدعاية بالحقائق في معركة سياسية تتجاوز حدود الميدان التقليدي.
في خضم هذه التحولات، يصبح الرهان الأكبر هو رهان الوعي الانتخابي. وعي يدرك أن الانتخابات ليست مجرد مناسبة موسمية لتبادل الوعود أو تصفية الحسابات السياسية، بل لحظة حاسمة تحدد من سيتولى تمثيل المواطنين وصياغة القرار العمومي خلال السنوات المقبلة.
فالمغرب الذي يطمح إلى تعزيز موقعه الاقتصادي والدبلوماسي على الساحة الدولية لا يمكنه أن يستمر في إدارة شأنه السياسي بمنطق محلي ضيق. ومغرب المشاريع الكبرى يحتاج إلى نخب سياسية تمتلك القدرة على فهم التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية والتفاعل معها بعمق.
لهذا يظل السؤال الأكثر إلحاحاً في الأشهر المقبلة ليس فقط من سيفوز في الانتخابات، بل أي نموذج سياسي يريده المغاربة لبلادهم: هل سيكون نموذجاً يقوم على البرامج والرؤى الاستراتيجية، أم سيظل أسير الوجوه المتنقلة بين الأحزاب وشبكات المصالح المحلية؟
في النهاية، تبقى الكلمة الحاسمة بيد الناخبين أنفسهم. فهم وحدهم القادرون على كسر الحلقة المفرغة التي أعادت إنتاج نفس المشهد السياسي لسنوات طويلة. فالانتخابات المقبلة قد تتحول إلى لحظة قطيعة حقيقية تفتح الباب أمام جيل سياسي جديد أكثر كفاءة ومسؤولية، أو قد تمر مرة أخرى كمجرد محطة عابرة في مسلسل إعادة تدوير النخب نفسها… في عالم يتغير بسرعة لن يمنح أحداً ترف الانتظار طويلاً.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك