أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
مقدمة
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مسار
الإسلام السياسي في المغرب، مع التركيز على تجربة حزب العدالة والتنمية كحالة
دراسية محورية. تتناول الدراسة التحولات التي طرأت على هذا التيار، من مشروع
مقاومة إلى مشروع سلطة، مع الأخذ في الاعتبار التحديات التي واجهها بعد وصوله إلى
الحكومة وتأثير ذلك على هويته ومكانته. كما تستعرض الدراسة التيارات البديلة التي
برزت في المشهد السياسي المغربي، مثل جماعة العدل والإحسان والتيار السلفي، وتحليل
مواقفها وتأثيرها في ظل التغيرات الراهنة.
تعتمد الدراسة على إطار نظري متكامل
يجمع بين نظريات الفرصة السياسية، وتعبئة الموارد، وتأطير الأطر، لتفسير
ديناميكيات التحول والتكيف التي خضعت لها الحركات الإسلامية في المغرب. ويستخدم
المنهج الكيفي، وتحديدا دراسة الحالة، مع تحليل مضمون الخطابات الرسمية للحزب
وكتابات منتقديه، بالإضافة إلى مقارنة موجزة مع تجارب أخرى في المنطقة.
الفصل الأول: الإطار التحليلي والفرصة السياسية المحسوبة
(1997-2011)
1 الإطار النظري: الفرصة، الموارد، والتأطير
لفهم المسار
الذي سلكه حزب العدالة والتنمية في التجربة السياسية المغربية، لا يكفي التعامل
معه بوصفه حزبا إسلاميا خضع لتحولات ظرفية، بل يقتضي الأمر اعتماد مقاربة تحليلية
مركبة تدمج بين مفاهيم الفرصة السياسية، والبراغماتية السياسية، وتأطير الأطر،
باعتبارها مفاتيح تفسيرية تسمح بفهم منطق الاندماج وحدود الفعل وسقف التحول.
فالحزب لم يتحرك في فراغ، وإنما تشكل أداؤه داخل بنية سياسية مخصوصة، قوامها نظام
ملكي مركزي يمتلك قدرة عالية على الضبط والاحتواء، مع هامش تعددية مضبوط يسمح
باندماج الفاعلين دون تهديد جوهري لمرتكزات السيادة.
في هذا
السياق، مثّلت البيئة السياسية المغربية ما يمكن تسميته بـ)الفرصة السياسية المحسوبة(، حيث
فتح النظام المجال أمام إدماج الإسلاميين المعتدلين في الحقل الحزبي، ليس باعتباره
تنازلا ديمقراطيا خالصا، بل كالية عقلانية
لإدارة التعدد وضبط المخاطر. هذا الانفتاح الجزئي أتاح لحزب العدالة والتنمية
تفادي منطق الصدام الذي أنهك تجارب إسلامية أخرى في المنطقة، ومكنه من بناء حضور
رسمي داخل المؤسسات المنتخبة، غير أن هذا الاندماج ظل مشروطًا بسقف سيادي واضح يحد
من قدرته على التأثير في مراكز القرار الاستراتيجية. وبذلك، فإن الفرصة السياسية
التي استفاد منها الحزب لم تكن مفتوحة أو تراكمية بالمعنى الكامل، بل كانت مقننة
ومؤطرة بما يخدم استقرار النظام أكثر مما يخدم مشروع الحزب ذاته.
ضمن هذه
الشروط البنيوية، اختار حزب العدالة والتنمية نهج البراغماتية السياسية بوصفها
استراتيجية للبقاء والتدرج، وهو خيار تجلى مبكرا في قرار الاندماج داخل حزب قائم
هو الحركة الدستورية الديمقراطية، بدل السعي إلى تأسيس كيان مستقل قد يثير حساسيات
سياسية وأمنية. هذا القرار لم يكن تقنيا فحسب، بل عكس تحولا في تصور العلاقة مع
الدولة، من منطق المواجهة أو الشك المتبادل إلى منطق (الإصلاح من الداخل)، حتى وإن
استلزم ذلك تقديم تنازلات أيديولوجية وإعادة ترتيب الأولويات. وقد مكنت هذه
البراغماتية الحزب من توسيع قاعدته الانتخابية وتقديم نفسه كفاعل سياسي مسؤول،
لكنها في المقابل أضعفت قدرته على الحفاظ على تمايزه المرجعي، وجعلته أكثر التصاقا
بقواعد اللعبة التي يحددها النظام.
أما على
مستوى الخطاب والشرعنة، فقد لعب تأطير الأطر دورا محوريا في تسويق هذا الخيار
داخليا وخارجيا. إذ عمل الحزب على بناء سردية تعتبر المشاركة السياسية شكلا من
أشكال الإصلاح التدريجي، وتقدم الاندماج المؤسساتي باعتباره وسيلة واقعية لخدمة
الصالح العام وتحقيق مقاصد الشريعة في سياق معقد. هذا التأطير ساعد في حشد الأنصار
واحتواء التوترات الداخلية، لكنه ظل محل نزاع حاد داخل الحقل الإسلامي الأوسع، حيث
قامت التيارات السلفية والجهادية بإعادة تأطير التجربة نفسها بوصفها تنازلا مبدئيا
وخيانة لفكرة التغيير الجذري، وهو ما أضعف من شرعية الحزب داخل بعض الأوساط
الدعوية وأنتج انقسامات رمزية عميقة.
بناء على
ذلك، يمكن القول إن مسار حزب العدالة والتنمية هو نتاج تفاعل معقد بين فرصة سياسية
محدودة، وبراغماتية محسوبة، وتأطير خطابي وظيفي، نجح في تحقيق الاندماج
والاستمرارية لكنه فشل في تحويل المشاركة إلى نفوذ سيادي فعلي. هذا المسار يفسر في
الوقت نفسه صعود الحزب السريع وتآكل رصيده الرمزي لاحقا، ويكشف أن أزمته لم تكن
مجرد إخفاق انتخابي، بل تعبيرا عن حدود النموذج الإصلاحي من داخل بنية سياسية
شديدة التحكم
2 النشأة والاندماج: من الحركة الدعوية إلى الحزب
السياسي
لم يكن تأسيس حزب العدالة والتنمية
حدثا معزولا، بل جاء في إطار فرصة سياسية مدروسة أتاحها النظام السياسي المغربي في
منتصف التسعينيات. مثلت هذه المرحلة بداية انتقال تدريجي من أجواء الاحتقان
السياسي إلى الانفتاح النسبي، وهو ما كان جزءا من استراتيجية الملك الراحل الحسن
الثاني لتجديد شرعية النظام وتوسيع قاعدة التمثيل السياسي عبر إدماج أطراف كانت
سابقا خارج دائرة الفعل السياسي الرسمي.
في هذا السياق، قبلت حركة الإصلاح
والتوحيد، وهي الذراع الدعوي للحركة الإسلامية، عرض الاندماج داخل حزب سياسي قائم،
هو (الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية) الذي سيصبح لاحقا(حزب العدالة والتنمية).
شكل هذا الخيار نقطة تحول محورية، عكست استعداد الحركة للتخلي عن بعض طموحات
الصدام مع النظام لصالح تبني مقاربة إصلاحية تدريجية من داخل المؤسسات. تجسد هذا
التحول البراغماتي في إعلان الالتزام بـ(الملكية الدستورية) واحترام (الثوابت
الوطنية) وعلى رأسها الوحدة الترابية والمرجعية الإسلامية للدولة.
3 بناء الموارد والتأطير المزدوج
استفاد الحزب بشكل واسع من الموارد
التنظيمية والبشرية التي وفرتها حركة الإصلاح والتوحيد. شكلت الحركة خزانا
للكفاءات والأطر المؤهلة، ووفرت شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية عبر الجمعيات
الدعوية والخيرية والثقافية. كان هذا الاندماج بين الذراع الدعوي والذراع السياسي
عاملا حاسما في نجاح الحزب انتخابيا في مراحله الأولى.
كما نجح الحزب في صياغة خطاب سياسي
مركب يخاطب فئتين رئيسيتين:
1.القواعد المتدينة والشرائح
المحافظة: حيث قدم نفسه كأداة للإصلاح وحامٍ للهوية الإسلامية للمجتمع في مواجهة
تحديات التغريب والعلمنة.
2.النظام السياسي والدولة: حيث عمل
على تقديم نفسه كقوة إسلامية معتدلة، تقبل قواعد اللعبة المؤسساتية وتتميز
بالانضباط، مما يجعله شريكا موثوقا وأقل خطورة من التيارات الراديكالية الأخرى
(مثل جماعة العدل والإحسان).
الفصل الثاني: ذروة السلطة وتآكل الهوية (2011-2021)
1 سياق (الربيع العربي) والفرصة التاريخية
مثل الحراك الذي عرفه المغرب، بما فيه
حركة 20 فبراير، لحظة فارقة في إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والمجتمع. أوجد هذا
الحراك ما يعرف في أدبيات التحليل السياسي بـ(الفرصة السياسية)، حيث تضعف فيها قدرة
النظام على الضبط والتحكم وتتاح مساحات جديدة للمشاركة والتأثير.
بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، الذي
كان انذاك في موقع المعارضة، شكل هذا الحراك فرصة لإعادة تموضع نفسه كقوة سياسية
شرعية. ورغم أن الحزب اختار منهج (التحفظ التكتيكي) ولم يشارك رسميا في مظاهرات 20
فبراير، إلا أنه استفاد بشكل غير مباشر من الضغوط التي أحدثها الحراك على النظام،
خاصة بعد خطاب الملك محمد السادس في 9 مارس 2011 الذي أعلن فيه عن إصلاحات دستورية
جوهرية.
مقارنة موجزة مع تجارب إقليمية:
على عكس تجارب الإسلام السياسي في
تونس (حركة النهضة) ومصر (الإخوان المسلمون)، حيث أدت الثورات إلى انهيار جزئي أو
كلي للأنظمة القائمة، فإن تجربة المغرب تميزت بـ(الإصلاح من الأعلى) تحت إشراف
المؤسسة الملكية. هذا السياق فرض على حزب العدالة والتنمية سقفا أعلى من
البراغماتية، حيث لم يكن الوصول إلى السلطة يعني السيطرة على مراكز القرار
السيادي، بل إدارة الشأن الحكومي تحت مظلة ملكية قوية.
2 تحديات التدبير الحكومي: البراغماتية القاسية
والقرارات غير الشعبية
مثلت انتخابات 2011 أول اختبار حقيقي
للحزب في موقع القيادة. سرعان ما كشف الانتقال من المعارضة إلى السلطة عن إشكالية
التوازن بين الخطاب والممارسة. فوجود الحزب في الحكومة فرض عليه التعامل مع
تحالفات سياسية ومؤسسات قائمة تعتبر جزءا من (هياكل التحكم) أو ما يطلق عليه في
الأدبيات المغربية (الدولة العميقة).
اضطر الحزب إلى تبني سياسات تقشفية
وغير شعبية، مثل الرفع التدريجي للدعم عن المواد الأساسية (صندوق المقاصة) وإصلاح
أنظمة التقاعد. أدى ذلك إلى توليد حالة من الارتباك لدى قاعدته الاجتماعية التي
منحته الثقة، مما أضعف شرعيته الشعبية. حاول الحزب تبرير قراراته أمام قواعده
بكونها)إكراهات هيكلية(
أو ضرورية لإنجاح تجربة ديمقراطية وليدة، لكن هذا التبرير لم يمنع تاكل الرصيد الرمزي الذي بنى عليه الحزب
شرعيته.
3 أزمة البلوكاج وإعادة ضبط موازين القوى
شهدت الفترة ما بين 2016 و 2021 ذروة
أزمة الحزب. فبعد فوزه في انتخابات 2016، أعقبتها أزمة سياسية عرفت إعلاميا بـ(البلوكاج)،
حيث استمر تعثر تشكيل أغلبية حكومية لأشهر. انتهى هذا التعثر بتدخل ملكي مباشر أدى
إلى إعفاء الأمين العام للحزب انذاك، عبد الإله بنكيران، وتكليف سعد الدين
العثماني بالمهمة.
كان لهذا الحدث دلالات سياسية عميقة،
إذ أكد أن مركز الثقل في صناعة القرار يظل في يد المؤسسة الملكية، وأن موقع رئيس
الحكومة، حتى لو جاء عبر صناديق الاقتراع، يظل محدود الصلاحيات. كما أضعف البلوكاج
الموقع التفاوضي للحزب، مما أجبره على تقديم تنازلات كبرى في تشكيل التحالف.
4 الانهيار الانتخابي (2021) وتداعيات فقدان الرصيد
الرمزي
شكل الاستحقاق الانتخابي لعام 2021
نقطة تحول حاسمة. تكبد الحزب هزيمة مدوية، حيث انتقل من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا
فقط، أي خسارة نحو 90% من مقاعده البرلمانية. لم تكن هذه النتائج مجرد خسارة
ظرفية، بل كانت بمثابة استفتاء شعبي على تجربة عشر سنوات من المشاركة في الحكم.
تجسد فقدان الرصيد الرمزي في سلسلة من
القرارات التي اتخذها الحزب في الفترة ما بين 2017 و 2021، والتي اعتبرها قطاع
واسع من قواعده خروجا عن هوية الحزب ومرجعيته:
قانون فرنسة التعليم: إقرار تدريس
المواد العلمية باللغة الفرنسية، وهو ما كان الحزب يعارضه سابقا باعتباره تهديدا
لمكانة اللغة العربية والهوية الوطنية.
تقنين زراعة القنب الهندي: وهو ملف
اعتبره البعض متعارضا مع خطابه الأخلاقي والمحافظ.
توقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل
(2020): حيث وقع رئيس الحكومة آنذاك، سعد الدين العثماني، على اتفاق استئناف
العلاقات الرسمية مع إسرائيل، وهو ما مثل صدمة لقاعدته الإسلامية والقومية التي
طالما اعتبرت القضية الفلسطينية قضية مركزية.
أدت هذه التنازلات إلى تاكل صورته
كـقوة إصلاحية وتحوله تدريجيا إلى فاعل سياسي عادي محكوم بموازين القوى
والاعتبارات الواقعية، مما أفقده المصداقية لدى أنصاره السابقين.
الفصل الثالث: مشهد ما بعد العدالة والتنمية والبدائل
الصاعدة
لم يخلق فشل مشروع (الإسلام السياسي
المعتدل) الذي مثله حزب العدالة والتنمية فراغا سياسيا فحسب، بل أيديولوجيا أيضا.
لقد فتح فشل تجربة الإصلاح من الداخل الباب أمام خطابات بديلة كانت تنتظر على الهامش،
وتطرح نفسها كحامل حقيقي لـالأصالة أو كبديل أكثر راديكالية.
1 جماعة العدل والإحسان: نموذج المقاطعة الراديكالية
جماعة العدل والإحسان بقيادتها
التاريخية للشيخ عبد السلام ياسين، أبرز منافس تنظيمي وأيديولوجي للحركة التي
انبثق منها حزب العدالة والتنمية. فبينما اختار الحزب مسار المشاركة السياسية
التدريجية، تبنت الجماعة منذ نشأتها خيار المقاطعة الراديكالية، رافضة أي تسوية مع
السلطة السياسية القائمة.
تعتبر الجماعة أن المشاركة في
المؤسسات القائمة هي تزويق لواجهة الاستبداد وشهادة زور لأن النظام السياسي
المغربي قائم على مرتكزات سلطوية لا تسمح بممارسة حقيقية للسلطة أو ترسيخ للعدالة
الاجتماعية. يعتمد خطابها على مفهوم (المنهاج النبوي) و(الخلافة الراشدة)، وتتوقع القومة
الذي سيأتي ليغير النظام السياسي جذريا.
كلما قدم حزب العدالة والتنمية
تنازلات سياسية أو أقر سياسات لا تتماشى مع المرجعية الإسلامية، كانت الجماعة تصدر
بيانات وتصريحات تؤكد صحة خيارها الاستراتيجي في المقاطعة. هذا الخطاب وجد صدى
واسعاً لدى شريحة الشباب المحبط والساخط على الأداء السياسي، وكذلك لدى القواعد
الإسلامية التي شعرت بخيبة أمل من الحزب. نجحت الجماعة بذلك في تحويل فشل الحزب
إلى أداة لتعزيز مكانتها الفكرية والتنظيمية، وتأكيد سرديتها حول محدودية العمل
السياسي داخل الإطار الرسمي.
2 التيارات السلفية: من العزلة الدعوية إلى التسييس
برز التيار السلفي في المغرب كفاعل
ديني واجتماعي مهم، خاصة في مرحلة تراجع الإسلام السياسي التقليدي. يمكن التمييز
بين اتجاهين رئيسيين:
1.السلفية العلمية
(التقليدية): تمثلها
شخصيات بارزة، وتقوم على مرجعية عقدية صارمة ترفض المشاركة السياسية باعتبارها بدعة،
وتستند إلى مبدأ طاعة ولي الأمر. هذا التيار يبتعد عن الصدام السياسي المباشر، مما
يجعله أقل تهديدا من منظور الدولة.
2.السلفية الجهادية: وهي تيار راديكالي محدود الحجم،
يتبنى خطابا مستوحى من تنظيمات مثل القاعدة وداعش، ويرى أن المشاركة السياسية
خيانة للمبدأ الإسلامي، ويكفر النظام القائم ويدعو إلى العنف المسلح كخيار وحيد
للتغيير. هذا الاتجاه يستند إلى ما يسميه الفشل المزدوج (فشل العدالة والتنمية في
تحقيق الإصلاح، وعجز الدولة عن توفير التنمية والعدالة الاجتماعية).
3 البعد السوسيولوجي والتحول
الرقمي
لم يكن الانهيار الانتخابي لحزب
العدالة والتنمية مجرد نتيجة لقرارات سياسية خاطئة، بل كان انعكاسا لتغيرات
سوسيولوجية عميقة وتأثير التحول الرقمي:
فقدان القاعدة الوسطى: اعتمد الحزب في
صعوده على الطبقة الوسطى المتعلمة والمحافظة. لكن السياسات التقشفية التي طبقها في
الحكومة أضرت بهذه الطبقة، مما أدى إلى فقدان هذه القواعد التي تحولت إلى حالة من
العزوف أو التصويت العقابي.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي: ساهمت
المنصات الرقمية في تسريع تاكل الصورة للحزب. فبينما كان الحزب يعتمد على التأطير
التقليدي والخطاب المزدوج، أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة واسعة لخطابات
نقدية أكثر حدة، وكشفت التناقضات بين خطاب المعارضة وممارسة السلطة بشكل فوري، مما
أضعف قدرة الحزب على التحكم في سرديته. كما ساهمت في بروز أنماط جديدة من التدين
والاحتجاج خارج الأطر التقليدية للحركات الإسلامية.
الخاتمة:
تؤكد تجربة حزب العدالة والتنمية أن
البراغماتية كانت آلية مكنت الحزب من الوصول إلى السلطة، لكنها في الوقت ذاته
أضعفته، مشكلة السبب الجوهري لفقدان الهوية والشرعية الأيديولوجية. لقد نجح الحزب
في تحقيق مستوى متقدم من "المأسسة"، لكنه فشل في إنجاز "التغيير"،
ليجد نفسه وقد فقد جزءاً كبيراً من قاعدته المحافظة دون أن يكسب ثقة النخب
الحداثية أو الدولة العميقة بشكل كافٍ.
النتائج الرئيسية:
1.محدودية الإصلاح التدريجي: تكشف
الحالة المغربية عن حدود نموذج الإصلاح التدريجي ضمن بيئة سياسية شبه سلطوية.
فالنظام المغربي احتفظ بقبضته على مجالات السيادة الحقيقية (الأمن، السياسة
الخارجية، الدين)، مما جعل الحزب الفائز يؤدي دور المدبر الإداري للواجهة الحكومية،
بينما ظلت السلطة الفعلية خارج متناوله.
2.دينامية البدائل الراديكالية: يثبت
فشل الإسلام المعتدل أنه لا يفسح المجال بالضرورة أمام العلمانية أو الليبرالية،
بل يميل إلى تغذية البدائل الأكثر راديكالية وأصالة. ظهر ذلك من خلال صعود جماعات
مثل العدل والإحسان، التي تستثمر في الإحباط، والتيارات السلفية الجهادية التي ترى
في الفشل دليلاً على ضرورة المواجهة.
3.استمرارية المعضلة الهيكلية: تظل
الإشكالية الجوهرية متعلقة بإمكانية التوفيق بين الهوية الإسلامية ومنطق الدولة
الوطنية الحديثة، وما يتطلبه ذلك من تنازلات براغماتية. يبدو أن المشهد السياسي
المغربي يتجه إما نحو تعميق مسار الفصل بين الدين والسياسة، مع بقاء الحركات
الراديكالية كعنصر ضغط مستمر، أو نحو بزوغ جيل جديد من الفكر السياسي القادر على
تجاوز الثنائيات التقليدية بين الهوية والسلطة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك