أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
في خطوة غير مألوفة تكشف خطورة ما جرى، تدخلت وزارة الخارجية السنغالية بشكل مباشر لتأطير الفدرالية السنغالية لكرة القدم، داعية إياها إلى التحلي بروح المسؤولية والاحترام والالتزام بقيم الروح الرياضية، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن العبث الرياضي لا يمكن أن يتحول إلى توتر دبلوماسي، ولا أن يمس بعلاقات استراتيجية راسخة مع المغرب.
هذا التدخل يعكس إدراكًا رسميًا سنغاليًا بأن ما يصدر عن الهيئات الرياضية لم يعد شأنًا تقنيًا معزولًا، بل بات قادرًا على إحداث أضرار رمزية وسياسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدولة شريكة بحجم المغرب، التي تربطها بداكار علاقات تاريخية قائمة على الثقة والتعاون والتقدير المتبادل. الخارجية السنغالية اختارت لغة الحزم الهادئ، لكنها حملت مضمونًا صارمًا: الرياضة يجب أن تبقى فضاءً للتنافس الشريف، لا منصة للانزلاقات والاستفزازات.
الرسالة لم تكن موجهة للاستهلاك الداخلي فقط، بل حملت طمأنة صريحة للرباط بأن الدولة السنغالية تفرق بوضوح بين مواقف المؤسسات الرسمية وأي تصرفات غير محسوبة قد تصدر عن الفاعلين الرياضيين. وهو ما يعكس حرصًا سنغاليًا على حماية مكتسبات دبلوماسية راكمها البلدان على مدى سنوات، في مجالات السياسة والاقتصاد والدين والتعاون جنوب–جنوب.
في العمق، يكشف هذا الحدث أن زمن “الحياد الرياضي” قد انتهى، وأن الاتحادات الكروية باتت مطالبة بالوعي بثقل أفعالها وخطاباتها، خاصة في سياق إفريقي تتقاطع فيه الرياضة بالسيادة وبالرمزية الوطنية وبالحسابات الإقليمية. فحين تنزلق الكرة خارج الملعب، تتدخل الدبلوماسية لإعادتها إلى حجمها الطبيعي.
الموقف السنغالي يبعث بإشارة نادرة في محيط كروي إفريقي كثيرًا ما تغيب فيه المسؤولية، مفادها أن الدولة فوق الاتحاد، وأن العلاقات بين الشعوب لا تُختزل في مباراة أو قرار عابر. كما يؤكد أن متانة العلاقات السنغالية المغربية ليست شعارًا بروتوكوليًا، بل خطًا أحمر تُحمى عندما يقتضي الأمر.
هكذا، لم يكن تدخل الخارجية مجرد تذكير أخلاقي، بل عملية ضبط سياسي دقيقة، أعادت ترتيب الأدوار، ورسخت قاعدة أساسية: الرياضة تخدم الدبلوماسية ولا تسيء إليها، ومن يخرج عن هذا الإطار يجد الدولة في مواجهته، دفاعًا عن صورة البلاد وعن شراكاتها الاستراتيجية.

لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك