قانون المسطرة الجنائية الجديد..جمعية حقوقية تحذّر والنص يوسّع قبضة النيابة العامة ويقوّض ضمانات المحاكمة العادلة

قانون المسطرة الجنائية الجديد..جمعية حقوقية تحذّر والنص يوسّع قبضة النيابة العامة ويقوّض ضمانات المحاكمة العادلة
تقارير / الإثنين 05 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

أطلقت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ناقوس الخطر بخصوص دخول قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 حيّز التنفيذ، معتبرة أن هذا التحول التشريعي يتم في لحظة وطنية حساسة تتصاعد فيها الأسئلة حول واقع الحقوق والحريات، وحدود استقلال العدالة، ومدى التزام الدولة بروح الدستور وتعهداتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، محذّرة من أن القانون، في صيغته الحالية، يحمل مؤشرات تراجع خطيرة لا يمكن تجاهلها.

مستجدات شكلية… واختلالات بنيوية عميقة

وأقرت الجمعية بوجود بعض المستجدات الإيجابية المرتبطة بتحديث الآليات الإجرائية والاتجاه نحو الرقمنة، غير أنها شددت على أن القراءة الحقوقية المتأنية للنص تكشف عن فجوات بنيوية تمس جوهر العدالة الجنائية، وتؤسس لتوسيع غير مبرر للسلطة التقديرية للنيابة العامة، على حساب قرينة البراءة والتوازن المفترض بين أطراف الدعوى العمومية.

الاعتقال الاحتياطي… استثناء في الخطاب وقاعدة في الواقع

وسجلت الجمعية أن الاعتقال الاحتياطي ما يزال أحد أخطر مظاهر المساس بالحرية الفردية، إذ تتجاوز نسبته 40 في المائة من مجموع الساكنة السجنية، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي الذي يقدّمه كإجراء استثنائي. واعتبرت أن القانون الجديد فشل في معالجة هذا الخلل البنيوي، بعدما أبقى على مبررات فضفاضة للاعتقال، مثل “الأمن العام” و“حسن سير العدالة”، وفتح الباب أمام تمديده بطلب من النيابة العامة دون رقابة قضائية فعالة.

نيابة عامة بصلاحيات واسعة… وقاضٍ ودفاع في موقع ضعيف

وانتقدت الجمعية التوسع الملحوظ في سلطات النيابة العامة، خاصة في ما يتعلق بتمديد الحراسة النظرية، ومراقبة الاتصالات، والتفتيش خارج الأوقات القانونية، وتوجيه البحث التمهيدي، دون إرساء آليات رقابة قضائية مسبقة. وأكدت أن المعايير الدولية تعتبر النيابة العامة جهة ادعاء لا جهة فصل، وهو ما يقتضي تقييد صلاحياتها بضمانات صارمة، وهو ما لم يتحقق في القانون 03.23، الذي لم يعزز دور قاضي التحقيق ولم يمنح الدفاع حق الطعن الفوري في إجراءات تمس الحرية والخصوصية.

تحجيم المجتمع المدني… وضرب حق التقاضي في قضايا الفساد

وسجلت الجمعية تراجعا حقوقيا خطيرا في ما يتعلق بمحاصرة أدوار المجتمع المدني، معتبرة أن تعديل المادة 3 يهدف عملياً إلى تجريد الجمعيات الحقوقية من حق التنصيب كطرف مدني في قضايا حماية المال العام، ما يكرس الإفلات من العقاب ويحصر تحريك المتابعة في جرائم الفساد في جهات رسمية محددة. كما اعتبرت أن تعقيدات المادة 7 تضع عراقيل شبه تعجيزية أمام الضحايا والجمعيات، في مساس مباشر بمبدأ الولوج إلى العدالة.

الصلح في الجرائم المالية… شرعنة للإفلات من المحاسبة؟

وأعربت الجمعية عن قلقها من توسيع مسطرة الصلح في الجرائم المالية مقابل مبالغ مالية، معتبرة أن ذلك يؤدي عملياً إلى “بيع الصكوك” وتقويض الردع القانوني، وربط مكافحة الفساد بالحسابات التقديرية بدل القواعد الآمرة، خاصة في غياب الشفافية والمساءلة العلنية.

ملفات الرأي والحساسية السياسية… سلطة بلا رقابة آنية

وحذّرت الجمعية من أن القضايا ذات البعد السياسي أو الاجتماعي تصبح فيها قرارات تمديد الحراسة النظرية خاضعة عملياً لتقدير النيابة العامة وحدها، في غياب رقابة قضائية فورية، ما يفتح المجال لانتهاكات محتملة تمس الحقوق الأساسية للأشخاص.

التعذيب والاعتراف… ثغرات خطيرة في الحماية

وسجلت الجمعية بأسف أن القانون لم ينص صراحة على إلزامية إخضاع كل من يدّعي التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة لفحص طبي مستقل ومحايد، كما لم يقر التسجيل السمعي البصري الإجباري لكافة مراحل البحث، في وقت ما يزال فيه “الاعتراف” يشكل أداة إثبات مركزية، ومحاضر الضابطة القضائية تحظى بقرينة قوية في الجنح، ما يقوض فعلياً مبدأ المحاكمة العادلة.

الدفاع منذ اللحظة الأولى… حق مؤجل لا مضمون

ورغم التنصيص الشكلي على تمكين الحق في الدفاع منذ لحظة الاعتقال، اعتبرت الجمعية أن القانون لم يفرض حضور المحامي أثناء الاستماع الأول، ولم يضمن تسليم نسخة فورية من المحاضر لهيئة الدفاع، كما قيّد حق الاطلاع على الملف بمساطر معقدة، ما يحول هذا المبدأ إلى التزام ناقص الأثر.

رقمنة بلا ضمانات… خطر جديد على الخصوصية

ورحبت الجمعية بمبدأ رقمنة المسطرة الجنائية كآلية محتملة لتسريع الإجراءات وتعزيز الشفافية، لكنها نبهت إلى غياب مقتضيات واضحة لحماية المعطيات الشخصية، وتحديد مدة الاحتفاظ بها، وضمان أمن الأنظمة المعلوماتية، محذّرة من أن تتحول الرقمنة إلى أداة تهديد للخصوصية بدل رافعة لتحديث العدالة.

ضحايا بلا حماية مالية

وسجلت الجمعية غياب أي مقتضى لإحداث صندوق مستقل لتعويض ضحايا العنف والاتجار بالبشر والجرائم الجسدية والمالية الكبرى، معتبرة أن هذا الفراغ يترك الضحايا، خصوصاً في قضايا العنف الأسري، في مواجهة مساطر معقدة ومكلفة لا تراعي أوضاعهم الاجتماعية.

إصلاح العدالة… اختبار سياسي لا تقني

وخلصت الجمعية إلى أن إصلاح العدالة الجنائية ليس شأناً تقنياً أو واجهة تروَّج خارجياً، بل خيار ديمقراطي عميق، وامتحان حقيقي لاحترام الحقوق والحريات وربط المسؤولية بالمحاسبة، مطالبة بمراجعة شاملة للمقتضيات المثيرة للقلق، وتقييد سلطات النيابة العامة، وتعزيز الرقابة القضائية، وضمان الحق في الدفاع والتعويض، حتى لا يتحول القانون الجديد إلى أداة لتوسيع السلطة على حساب الحرية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك