تراجع الخصوبة يطرق أبواب المستقبل في المغرب

تراجع الخصوبة يطرق أبواب المستقبل في المغرب
تقارير / الأحد 22 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

يشهد المغرب تحولا ديموغرافيا عميقا يتجلى في الانخفاض المتواصل لمعدلات الخصوبة، وهو تحول لا يقتصر على أرقام صامتة في تقارير رسمية، بل يعكس تغيرا بنيويا في بنية المجتمع واختيارات الأسر وأنماط العيش، بما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية على المدى المتوسط والبعيد.

هذا التراجع لم يعد مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بظروف اقتصادية ظرفية، بل أصبح مسارا واضحا يعيد رسم الخريطة العمرية للسكان، حيث تتقلص قاعدة الهرم السكاني تدريجيا مقابل ارتفاع نسبة الفئات المتقدمة في السن، بما ينذر بتحول صامت نحو مجتمع يشيخ بوتيرة أسرع مما هو متوقع.

التحولات الاجتماعية لعبت دورا حاسما في هذا المسار، إذ ارتفعت سن الزواج وتزايد إقبال النساء على التعليم وسوق الشغل، وتغيرت تمثلات الأسرة حول عدد الأبناء، في ظل ضغط تكاليف المعيشة والسكن والتعليم والصحة، ما جعل قرار الإنجاب خاضعا لحسابات دقيقة بدل كونه امتدادا تلقائيا للتقاليد.

اقتصاديا، يضع هذا الوضع البلاد أمام معادلة دقيقة تتعلق بسوق الشغل وأنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية، لأن تقلص عدد المواليد اليوم يعني انخفاض عدد النشيطين غدا، وهو ما قد يفاقم الضغط على الفئات العاملة مستقبلا لتحمل أعباء فئات عمرية أكبر عددا وأقل مساهمة في الدورة الإنتاجية.

كما أن التحول الديموغرافي يفرض إعادة التفكير في السياسات العمومية المرتبطة بالتخطيط الحضري والتعليم والتشغيل، لأن دولة فتية ليست كدولة تتجه نحو الشيخوخة، ولكل مرحلة أولوياتها واستثماراتها واختياراتها الاستراتيجية التي تحدد ملامح العقود القادمة.

في المقابل، لا يمكن اختزال الظاهرة في بعدها السلبي فقط، لأن انخفاض الخصوبة قد يفتح نافذة لما يسمى بالعائد الديموغرافي إذا أحسن استثماره، من خلال رفع جودة التعليم والتكوين وتحسين إنتاجية الموارد البشرية، بما يحول التحدي إلى فرصة تنموية حقيقية.

غير أن الرهان الأكبر يظل في القدرة على استباق التحولات بدل الاكتفاء برصدها، لأن الزمن الديموغرافي بطيء في حركته لكنه حاسم في نتائجه، وأي تأخر في صياغة سياسات متوازنة للأسرة والشباب والشغل قد يجعل كلفة المستقبل أثقل مما يحتمل.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك