أنتلجنسيا:أبو فراس
كلما عاد ملف سبتة ومليلية والجزر الجعفرية إلى الواجهة، يتكرر السؤال نفسه داخل الأوساط السياسية والإعلامية: إذا كان المغرب يخوض معركة دبلوماسية شرسة دفاعاً عن صحرائه، فلماذا لا يعتمد المنهج نفسه للمطالبة باسترجاع الثغور الشمالية الخاضعة للسيادة الإسبانية؟
الجواب لا يرتبط، وفق العديد من القراءات السياسية والاستراتيجية، بغياب المطالبة المغربية بهذه المناطق، بل باختلاف طبيعة الملفين من حيث السياق القانوني والتاريخي والدبلوماسي. فالمغرب لم يتخل يوماً عن موقفه المبدئي الذي يعتبر سبتة ومليلية والجزر الجعفرية أراضي مغربية، غير أن الرباط اختارت منذ عقود التعامل مع هذا الملف بمنطق مختلف عن الملف الصحراوي.
في ملف الصحراء، جعل المغرب القضية أولوية وطنية مطلقة، وحشد لها كل أدواته الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، باعتبارها القضية المركزية للوحدة الترابية للمملكة. وقد أدى هذا التوجه إلى تحقيق مكاسب دولية متتالية وتعزيز الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي وذي مصداقية.
أما في ما يتعلق بسبتة ومليلية، فإن الوضع أكثر تعقيداً من الناحية الجيوسياسية. فالمدينتان تخضعان للإدارة الإسبانية منذ قرون، وإسبانيا تعتبرهما جزءاً من ترابها الوطني وترفض من حيث المبدأ فتح أي مفاوضات حول السيادة عليهما، في حين يفضل المغرب إبقاء الملف ضمن الأفق التاريخي والسياسي دون تحويله إلى محور صدام مباشر مع مدريد.
ويرى عدد من المتابعين أن الرباط اعتمدت خلال السنوات الأخيرة استراتيجية تقوم على بناء موازين قوة اقتصادية وجيوسياسية جديدة بدل الدخول في مواجهة دبلوماسية مفتوحة. فالمغرب أصبح شريكاً أساسياً لإسبانيا في ملفات الهجرة والأمن والطاقة والتبادل التجاري، وهو ما يمنحه أوراق تأثير متزايدة في العلاقة الثنائية. كما أن التحولات التي شهدتها المنطقة جعلت التعاون بين البلدين أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ويعتقد بعض المحللين أن المغرب يركز أولاً على استكمال ملف الصحراء بشكل نهائي قبل الانتقال إلى ملفات ترابية أخرى، انطلاقاً من منطق ترتيب الأولويات الاستراتيجية. ففتح معركتين سياديتين كبيرتين في الوقت نفسه قد يشتت الجهد الدبلوماسي ويعقد حسابات الرباط على الساحة الدولية.
في المقابل، لا يخفي جزء من الرأي العام المغربي استغرابه من استمرار الصمت الرسمي النسبي بشأن سبتة ومليلية مقارنة بالحضور القوي لقضية الصحراء في الخطاب السياسي والإعلامي. ويعتبر أصحاب هذا الطرح أن استكمال الوحدة الترابية لا ينبغي أن يتوقف عند الأقاليم الجنوبية فقط، بل يجب أن يشمل أيضاً الثغور الشمالية والجزر الخاضعة للسيادة الإسبانية.
لكن في ميزان السياسة الواقعية، يبدو أن الرباط تراهن على عامل الزمن وعلى تعميق نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة أكثر من رهانها على المواجهة المباشرة. وبين من يدعو إلى رفع سقف المطالبة فوراً ومن يرى ضرورة الحفاظ على التوازنات الحالية، يبقى ملف سبتة ومليلية واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، وورقة مؤجلة لم تغب عن الذاكرة الوطنية، لكنها لم تتحول بعد إلى أولوية دبلوماسية بحجم المعركة التي يخوضها المغرب في قضية الصحراء.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك