بن كيران يهاجم العدل والإحسان...لكن ذاكرة المغاربة تستحضر البلوكاج وتحرير المحروقات والتطبيع

بن كيران يهاجم العدل والإحسان...لكن ذاكرة المغاربة تستحضر البلوكاج وتحرير المحروقات والتطبيع
سياسة / الإثنين 29 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:نعيم بوسلهام

عاد عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى توجيه سهام النقد لجماعة العدل والإحسان، معتبراً أن الزمن أثبت صواب خيار حزبه بالمشاركة في المؤسسات، وأن الجماعة، رغم انتقادها المستمر للعمل السياسي من داخل مؤسسات الدولة، لم تقدم إلى اليوم مشروعاً سياسياً بديلاً أو رؤية عملية لإدارة الشأن العام.

غير أن هذا الخطاب يثير سؤالاً لا يقل أهمية: هل أثبت الزمن فعلاً صحة خيارات بن كيران، أم أن التجربة الحكومية التي قادها حزبه انتهت إلى حصيلة سياسية واجتماعية جعلت الحزب يدفع أكبر ثمن انتخابي في تاريخه؟

ليس من حق أحد أن يحتكر الحقيقة السياسية أو يوزع شهادات النجاح والفشل على خصومه، دون أن يخضع تجربته هو أولاً للمساءلة. فالسياسة لا تُقاس بحماسة الخطب ولا ببلاغة الردود، وإنما بما تتركه من آثار في حياة المواطنين، وبمدى الوفاء للوعود التي رفعتها الأحزاب قبل وصولها إلى السلطة.

لقد دخل حزب العدالة والتنمية الحكومة سنة 2012 تحت شعار محاربة الفساد والاستبداد وتحقيق الإصلاح في ظل الاستقرار، مستفيداً من مناخ سياسي استثنائي أعقب حراك 20 فبراير، ومن رصيد شعبي كبير باعتباره حزباً يقدم نفسه نموذجاً للنزاهة والالتزام الأخلاقي. غير أن سنوات التدبير الحكومي كشفت واقعاً مختلفاً، حيث اصطدمت الشعارات بحدود السلطة، وانتهت التجربة إلى سلسلة من القرارات الاجتماعية المثيرة للجدل.

ففي سنة 2015، اتخذت حكومة بن كيران قرار تحرير أسعار المحروقات، منهيةً عملياً دعم المواد البترولية عبر صندوق المقاصة وربط الأسعار بالسوق الدولية. ورغم تبرير الحكومة لهذا الإصلاح بضرورة تخفيف العبء عن المالية العمومية، فإن المواطن المغربي وجد نفسه أمام ارتفاع متواصل في تكاليف النقل وأسعار عدد كبير من المواد والخدمات، في حين حققت شركات توزيع المحروقات أرباحاً قياسية، وهو ما فتح نقاشاً واسعاً حول غياب المنافسة وآليات مراقبة السوق، دون أن تتمكن الحكومة من طمأنة الرأي العام بشأن عدالة هذا الإصلاح.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ مررت الحكومة سنة 2016 إصلاحاً شاملاً لأنظمة التقاعد، تضمن الرفع التدريجي لسن الإحالة على التقاعد إلى 63 سنة، وزيادة الاقتطاعات الشهرية من أجور الموظفين، مع تعديل طريقة احتساب المعاشات بما أدى إلى تقليص قيمتها بالنسبة لفئات واسعة. وقد اعتبرت النقابات أن هذا الإصلاح حمّل الموظفين كلفة اختلالات مالية تراكمت عبر عقود، بدل البحث عن حلول أكثر توازناً وعدالة.

وفي السياق نفسه، تبنت الحكومة سياسة تقشفية في مجال التشغيل العمومي، من خلال تقليص عدد المناصب المالية المحدثة سنوياً، والحد من التوظيف المباشر، وهو ما ساهم في تعميق أزمة البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، الذين وجدوا أنفسهم أمام فرص أقل للاندماج في الوظيفة العمومية.

ثم جاءت محطة "البلوكاج" السياسي عقب انتخابات 2016، لتشكل نقطة التحول الكبرى في مسار الحزب. فبعد أكثر من خمسة أشهر من العجز عن تشكيل الأغلبية الحكومية، انتهت الأزمة بإعفاء عبد الإله بن كيران من مهمة تشكيل الحكومة، وتعيين سعد الدين العثماني خلفاً له. وكان ذلك أول اعتراف عملي بأن تجربة الحزب بلغت حدودها السياسية، وأن خطاب "الإصلاح في ظل الاستقرار" لم يعد قادراً على تجاوز تعقيدات موازين القوى داخل المشهد السياسي.

لكن ما تلا ذلك كان أكثر كلفة على صورة الحزب. ففي عهد حكومة سعد الدين العثماني، واصل العدالة والتنمية تحمل المسؤولية التنفيذية، وأشرف على ملفات اجتماعية زادت من حالة الاحتقان، من بينها اعتماد نظام التوظيف الجهوي بالتعاقد في قطاع التعليم، وهو الخيار الذي أطلق واحدة من أكبر الحركات الاحتجاجية التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، بعدما اعتبر آلاف الأساتذة أن هذا النظام يكرس هشاشة الوضعية المهنية ويقوض مبدأ الاستقرار الوظيفي داخل المدرسة العمومية.

كما أقرت حكومة العثماني سنة 2018 اعتماد توقيت غرينيتش زائد ساعة (GMT+1) بشكل دائم، في قرار أثار موجة واسعة من الانتقادات والرفض الشعبي بسبب انعكاساته على الحياة اليومية والتوقيت المدرسي، ولا يزال إلى اليوم من أكثر القرارات الحكومية إثارة للجدل.

غير أن الضربة الأقسى التي تلقاها الحزب جاءت سنة 2020، عندما وقع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني الاتفاق الثلاثي الذي أعاد العلاقات الرسمية بين المغرب وإسرائيل، في إطار صفقة دبلوماسية ارتبطت باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء. ورغم أن القرار يدخل ضمن توجهات الدولة المغربية، فإن الصورة التي بقيت راسخة في الوعي الجماعي هي أن الحزب الذي ظل لعقود يرفع شعار الدفاع عن القضية الفلسطينية وجد نفسه يوقع، بصفته قائداً للحكومة، على أكثر القرارات إثارة للجدل في تاريخه.

واليوم، يحاول بن كيران تقديم نفسه باعتباره خارج مسؤولية تلك المرحلة، وكأن حكومة العثماني كانت تجربة منفصلة عن العدالة والتنمية، بينما الحقيقة أن العثماني لم يصل إلى رئاسة الحكومة إلا بعد البلوكاج الذي انتهى بإعفاء بن كيران، وأن الحزب ظل يقود السلطة التنفيذية طوال تلك المرحلة. لذلك فإن منطق المحاسبة السياسية يقتضي تقييم التجربة كوحدة واحدة، لا تقسيمها إلى مرحلة ناجحة وأخرى يتحمل مسؤوليتها الآخرون.

ومن المفارقات أن بن كيران يطالب جماعة العدل والإحسان بتقديم بديل سياسي واضح، بينما يتجنب في المقابل تقديم مراجعة نقدية صريحة لتجربة حزبه. فالأحزاب الديمقراطية تُقاس بقدرتها على النقد الذاتي قبل نقد خصومها، وباستعدادها لتحمل مسؤولية قراراتها أمام المواطنين، لا بالاكتفاء بتبريرها بعد مغادرة السلطة.

لقد قال الناخب المغربي كلمته في انتخابات 2021، عندما انتقل حزب العدالة والتنمية من قيادة الحكومة إلى هزيمة انتخابية غير مسبوقة، في واحدة من أكبر الانهيارات التي عرفها حزب سياسي في المغرب منذ اعتماد التعددية الحزبية. ولم تكن تلك النتيجة مجرد تقلب انتخابي عابر، بل كانت تعبيراً عن فقدان شريحة واسعة من المواطنين الثقة في تجربة رفعت سقف التوقعات، لكنها انتهت إلى حصيلة اعتبرها كثيرون بعيدة عن الوعود التي أوصلتها إلى السلطة.

إن الزمن، الذي يستشهد به بن كيران اليوم، لم يمنح صك براءة لأحد، ولم يثبت أن مجرد المشاركة في الحكم تعني النجاح. بل أثبت أن الشرعية السياسية لا تُستمد من الخطابات، وإنما من القدرة على تحسين أوضاع المواطنين، والحفاظ على المصداقية، والوفاء بالتعهدات.

لذلك، وقبل مطالبة الآخرين بتقديم البدائل، يبقى السؤال المشروع هو: ماذا قدمت تجربة العدالة والتنمية للمغاربة بعد عشر سنوات من قيادة الحكومة؟ وهل يكفي إلقاء اللوم على الخصوم لتجاوز حصيلة ما زالت آثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية حاضرة في ذاكرة المواطنين؟


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك