زلزال يهز مهنة الدفاع واستقالات النقباء تضع الحكومة في قلب عاصفة غير مسبوقة

زلزال يهز مهنة الدفاع واستقالات النقباء تضع الحكومة في قلب عاصفة غير مسبوقة
سياسة / الأربعاء 03 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

لم تعد الأزمة التي تخنق قطاع المحاماة بالمغرب مجرد خلاف مهني حول بنود قانونية أو تعديلات تشريعية عابرة، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة تهدد بإعادة رسم ملامح العلاقة بين السلطة التشريعية وأحد أكثر مكونات العدالة حساسية وتأثيراً. فمع تصاعد منسوب الغضب داخل أوساط أصحاب البذلة السوداء، دخلت المعركة منعطفاً جديداً وخطيراً عنوانه الاستقالة الجماعية، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم الاحتقان الذي بلغ مستويات غير معهودة.

وفي مؤشر واضح على أن الأزمة تجاوزت مرحلة التحذير والاحتجاج، تقرر عرض استقالة نقيب هيئة المحامين بالرباط على أنظار الجمعية العمومية العادية الأولى لسنة 2026، المرتقب انعقادها يوم 26 يونيو الجاري، وهو الموعد نفسه الذي ستحتضن خلاله مختلف هيئات المحامين بالمملكة جموعها العامة، في مشهد يوحي بأن الجسم المهني يتجه نحو موقف موحد وصارم ضد المسار الذي اتخذه مشروع قانون المهنة.

هذه التطورات تأتي بعد حالة من الصدمة داخل أوساط المحامين إثر التعديلات التي أُدخلت على مشروع القانون داخل المؤسسة التشريعية، رغم جولات الحوار الطويلة التي جمعت ممثلي المهنة بالسلطات الحكومية، والتي كانت قد أفضت سابقاً إلى تهدئة التوتر وإنهاء سلسلة من الاحتجاجات التي أثرت بشكل مباشر على السير العادي للمحاكم. غير أن ما وقع لاحقاً أعاد إشعال فتيل الأزمة، وولد شعوراً واسعاً داخل المهنة بأن التفاهمات السابقة لم تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي.

وفي خضم هذا التصعيد، برز خيار الاستقالة الجماعية باعتباره رسالة احتجاج قوية تحمل دلالات سياسية ومؤسساتية عميقة. فبدل العودة إلى خطوات ميدانية قد تؤدي إلى تعطيل المحاكم وشل جزء من منظومة العدالة، اختارت القيادات المهنية التلويح بسلاح الاستقالة، معتبرة أن الحفاظ على استمرارية المرفق القضائي لا يجب أن يكون على حساب الدفاع عن استقلالية المهنة ومكانتها الدستورية.

وترى قيادات مهنية أن ما يجري لا يتعلق فقط بخلاف تقني حول مواد قانونية، بل بصراع أوسع حول مستقبل المحاماة ودورها داخل منظومة العدالة. لذلك، فإن الاستقالات المرتقبة لا تُقرأ باعتبارها إجراءً إدارياً عادياً، بل باعتبارها إعلاناً سياسياً ومهنياً يحمل رسالة واضحة مفادها أن الجسم المهني يرفض ما يعتبره تراجعاً عن مكتسبات راكمها المحامون عبر عقود طويلة من النضال والترافع.

وتؤكد الأصوات الداعمة لهذا التوجه أن القرارات التي تم اتخاذها لم تكن نتيجة رد فعل انفعالي أو موقف ظرفي، بل جاءت بعد نقاشات مطولة وتقييم دقيق للمرحلة، معتبرة أن أي خطوة احتجاجية لن تحقق أهدافها ما لم تحظ بإجماع واسع والتفاف قوي من مختلف مكونات المهنة. كما تشدد على أن المعركة الحالية تتجاوز الأشخاص والمواقع، لتصبح معركة مرتبطة بمبادئ الاستقلالية والتمثيلية المهنية وحق المواطن في دفاع حر ومستقل.

ومن جهتها، تعتبر الهيئات المهنية أن خيار الاستقالة الجماعية يستند إلى مبررات موضوعية ومشروعة، خاصة في ظل ما تصفه بوجود مقتضيات وتشريعات من شأنها التأثير على مكانة النقباء والمؤسسات المهنية داخل المشهد القضائي. وترى أن الرد على ما تعتبره إضعافاً لدور المؤسسات التمثيلية لا يمكن أن يظل محصوراً في البيانات والمواقف اللفظية، بل يقتضي إجراءات عملية تعبر عن حجم الرفض والاحتجاج.

وقد زادت مخرجات اللقاء الأخير الذي جمع عشرات النقباء والرؤساء السابقين لجمعية هيئات المحامين بالمغرب من قوة هذا التوجه، بعدما أعلن المشاركون اصطفافهم الكامل خلف المواقف التي تبنتها الجمعية، مؤكدين ضرورة التعبئة الشاملة لمواجهة ما يعتبرونه منعطفاً خطيراً في مسار مشروع القانون. كما عبروا عن رفضهم القاطع لأي مقتضيات يرون أنها قد تمس باستقلالية المحاماة أو تضعف مؤسساتها المنتخبة، داعين إلى توحيد الصفوف للحفاظ على ما يصفونه بالمكتسبات التاريخية للمهنة.

ومع اقتراب موعد الجموع العامة، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، في وقت يبدو فيه أن أزمة المحاماة دخلت مرحلة جديدة تتجاوز حدود النقاش القانوني التقليدي. فإما أن تنجح الجهود السياسية والمؤسساتية في احتواء التوتر وإعادة بناء جسور الثقة، وإما أن يجد المغرب نفسه أمام واحدة من أكبر الأزمات المهنية التي عرفها قطاع العدالة خلال السنوات الأخيرة، بما تحمله من تداعيات على التوازنات القانونية والمؤسساتية وعلى صورة الحوار بين الدولة والهيئات المهنية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك