أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
ظاهرة تحول الخصومة السياسية إلى عداوة وجودية، عملية لا تحدث فجأة بل تتشكل عبر مسار طويل من إعادة بناء الوعي الجمعي. في المجتمعات الطبيعية، ينظر إلى الخصم على أنه منافس ضمن نفس المجال، يختلف في الرؤية ولكنه يظل جزءا من النسيج الوطني أو الحضاري. إلا أن هذا التصور يتغير جذريا عندما تتحول السياسة إلى صراع من أجل البقاء، حيث يصبح الخصم تهديدا للهوية، الدين، الوجود، والمستقبل. في هذه الحالة، تتحول لغة الاختلاف إلى اتهام بالخيانة، والنقد إلى التخوين، والمنافسة إلى الاستئصال.
هذا التحول العميق يجد جذوره في عدة عوامل متداخلة، تتراوح بين هشاشة البناء الثقافي والسياسي واستثمار الأنظمة في الانقسام، وصولا إلى موت شرعية الاختلاف وسيولة الأيديولوجيات.
تعتبر هشاشة البناء الثقافي والسياسي في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية عاملا محوريا في هذا التحول. ففكرة التعددية كقيمة حضارية لم تتجذر بعد، بل ظلت مشروطة بالولاء والانتماء. هذا الوضع أدى إلى التعامل مع الفكر ك(هوية مغلقة) بدلا من كونه اجتهادا بشريا قابلا للنقاش. عندما تتحول الأفكار إلى هويات مقدسة، يصبح أي نقد لها اعتداء وجوديا، ويصنف المختلف كـ(خطر). هذا التصلب الفكري يغذي بيئة خصبة للاستقطاب ويجعل من الصعب بناء توافقات وطنية.
وتستغل الأنظمة السياسية، التي تخشى الوعي الحر، هذا الانقسام بفاعلية. فالاستقطاب يصبح أداة مثالية للسيطرة، حيث يعجز المجتمع المنقسم إلى معسكرات متحاربة عن بناء مشروع جماعي موحد. تتحول الكراهية في هذا السياق إلى صناعة منظمة، تتجلى في إعلام يضخم المخاوف، وخطاب سياسي يصنع الأعداء، ونخب ثقافية تؤجج الصراع، ومنصات رقمية تكافئ التطرف والانفعال على حساب العقل والاتزان. كلما زادت هذه الحروب الرمزية، زادت الحاجة الملحة إلى المنقذ والزعيم، مما يعزز من سلطة الأنظمة ويضعف من إمكانية التغيير الديمقراطي.
في ظل هذه الظروف، تلاشت شرعية الاختلاف في العديد من البيئات. لم يعد السؤال يتمحور حول صحة الفكرة، بل حول الانتماء إلى أي معسكر. هذا الوضع جعل العديد من المثقفين والسياسيين أسرى للتموضع بدلا من أن يكونوا أسرى للحقيقة. فالمثقف، الذي يفترض أن يكون ضميرا نقديا للمجتمع، يتحول أحيانا إلى موظف ضمن شبكات النفوذ، يغير لغته ومواقفه تبعا لموازين القوة والتمويل والفرص. هذا يفسر التحولات السريعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أو من خطاب ثوري إلى سلطوي، دون أزمة فكرية حقيقية، لأن الانتماء لم يكن مبنيا على قناعة معرفية عميقة، بل على وظيفة اجتماعية أو مصلحة أو رغبة في الصعود.
أما موت الأيديولوجيا فلا يعني اختفاء الأفكار، بل انهيار الإيمان الحقيقي بها. فالعديد من الأيديولوجيات تاكلت أخلاقيا وتحولت إلى أدوات للسلطة أو السوق أو التجييش. هذا أدى إلى ظهور السيولة الفكرية، حيث ينتقل الأفراد بسرعة بين المواقع، ليس نتيجة لمراجعات معرفية ناضجة، بل بسبب تحولات المصلحة والبيئة والتموضع. المشكلة هنا ليست في تغيير الأفكار، وهو أمر طبيعي ومطلوب أحيانا، بل في الانتقال الانتهازي الذي يفتقر إلى المراجعة الفكرية الواضحة والمسؤولية الأخلاقية. هذا يفسر أيضا تحولات بعض الإسلاميين أو السلفيين من خطاب إلى اخر، حيث يمكن أن تتحول الهوية الدينية إلى أداة تكيف مرتبطة بالمكانة الاجتماعية أو القبول السياسي أو الرغبة في النجاة، مما يؤدي إلى الانتقال من التشدد إلى الليونة أو من المعارضة إلى التماهي الكامل، ليس دائما بسبب تطور فكري عميق، بل أحيانا بسبب ضغط الواقع أو الخوف أو الرغبة في الاعتراف أو الاحتواء
المشكلة الأعمق تكمن في فشل العديد من مجتمعاتنا في بناء وطن فكري يتسع للاختلاف. فالأفراد يبحثون باستمرار عن حماية داخل الطائفة أو الحزب أو الجماعة أو السلطة أو الخارج، لأن المجال العام نفسه هش وغير امن. عندما يغيب الشعور بالمواطنة الفكرية، يتحول الناس إلى جماعات متصارعة تبحث عن الغلبة لا عن التعايش. إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس فقط الاستقطاب السياسي، بل تحول الإنسان نفسه إلى كائن قابل لإعادة التشكيل بحسب السوق الإعلامي والسياسي. فالسياسة لم تعد دائما مجالا لخدمة الأفكار، بل أصبحت عند كثيرين إدارة للصورة والفرصة والتحالف. ولهذا تراجعت قيمة الثبات الفكري، وصعدت قيمة المرونة النفعية. في عالم تسيطر عليه السرعة والضجيج والخوف، يصبح صاحب الموقف المتزن أقل حضورا من صاحب الخطاب الحاد.
إن الخروج من هذه الأزمة يبدأ باستعادة الإنسان لسؤال الحقيقة ، والعودة إلى قيمة الكرامة الفكرية. يتطلب ذلك الاعتراف بأن الاختلاف ليس تهديدا بالضرورة، بل هو شرط أساسي من شروط العمران الإنساني. فالمجتمع الذي يفقد القدرة على احترام المختلف، يتحول تدريجيا إلى ساحة خوف. إن بناء مجتمعات تتسع للجميع وتثمن التعددية الفكرية هو السبيل الوحيد لتجاوز هذه المرحلة الحرجة واستعادة التوازن والوعي الجمعي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك