أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في بيان تصعيدي غير مسبوق في نبرته، خرجت النقابة الوطنية للفلاحين، التابعة لـالجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، بموقف حاد يضع السياسات الفلاحية للحكومة تحت مجهر المساءلة، محذّرة من اختلالات بنيوية تهدد استقرار العالم القروي والسيادة الغذائية للبلاد.
الاجتماع الموسع للمكتب الوطني، المنعقد عن بعد بتاريخ 23 فبراير، جاء في سياق فلاحي ومناخي معقد: تساقطات ثلجية ومطرية مهمة رفعت منسوب السدود مقارنة بالسنوات الماضية، في مقابل فيضانات مدمرة في الغرب واللوكوس والريف، وعودة خطر الجراد في بعض المناطق الجنوبية، إلى جانب استمرار تنزيل برنامج إعادة تشكيل القطيع، وما رافقه من جدل حول الأعلاف والاستيراد والتغطية الصحية للفلاحين.
البيان لم يكتفِ برصد الوقائع، بل وجّه اتهامات سياسية واضحة. ففي ما يتعلق بفيضانات اللوكوس والغرب، اعتبرت النقابة أن سوء تدبير حقينة السدود وتهميش المناطق المتضررة ساهما في تفاقم الكارثة، مطالبة بإعلان هذه المناطق منكوبة وتعويض الفلاحين المتضررين بشكل شفاف بعيداً عن “الارتجال والابتزاز الانتخابي”. كما وسّعت دائرة التضامن لتشمل أقاليم الحسيمة وتازة وتاونات والعرائش والأطلس المتوسط، معتبرة أن الهشاشة البنيوية والعزلة عمّقت حجم الخسائر.
في ملف الجراد، دعت النقابة إلى تحرك عاجل لمحاصرة انتشاره في العيون الجنوبية وضواحيها قبل تحوله إلى تهديد أوسع، في وقت حذرت فيه من انعكاسات الاستيراد المكثف للأبقار الموجهة للذبح على مستقبل الإنتاج الوطني، معتبرة أن هذه السياسة تدفع بالكسابين الصغار نحو الإفلاس وتضعف القطيع المحلي على المدى المتوسط.
الشق الأكثر حدة في البيان طال ما وصفته بتلاعب الشركات المحتكرة لتجميع وتسويق الحليب، محذّرة من تدهور إنتاج هذه المادة الحيوية بفعل غلاء الأعلاف والمضاربات، في ظل برنامج دعم مباشر لإعادة تشكيل القطيع لم ينعكس – بحسبها – على استقرار الأسعار. النقابة ربطت بين استمرار ارتفاع الأعلاف والمضاربة فيها وبين غياب رقابة فعالة، معتبرة أن الأمن الغذائي لا يمكن أن يُترك رهينة السوق دون ضوابط.
وفي ما يتعلق بالتغطية الصحية الإجبارية، طالبت النقابة رئيس الحكومة بالتدخل العاجل لوقف الإجراءات المتخذة ضد فلاحين عجزوا عن تسوية اشتراكاتهم بسبب أوضاعهم الاجتماعية، متهمة الجهات المعنية بارتكاب أخطاء وارتجال في عملية إدماجهم ضمن لوائح الملزمين بالانخراط.
البيان لم يغفل أيضاً ملف الأراضي، حيث جدّد رفضه لما اعتبره تجريداً قسرياً للفلاحين السلاليين من أراضيهم لفائدة الخواص، وانتقد تحويل أراضٍ في مناطق الجنوب إلى محميات أو مكريات للقنص على حساب حاجيات الفلاحين. كما طالب برفع المنع عن تنقية وتعميق الآبار للفلاحين الصغار بعد سنوات من المعاناة، وتسريع استكمال التجهيزات الهيدروفلاحية في عدد من الجماعات، وتمكين الفلاحين من قروض ميسرة لمواجهة كلفة الإنتاج.
تحليلياً، يكشف البيان عن انتقال الخطاب النقابي الفلاحي من منطق المطالب القطاعية إلى خطاب سياسي واضح يربط بين تدبير الموارد المائية، وسياسات الاستيراد، وحماية الإنتاج الوطني، ومسألة السيادة الغذائية. فالنقابة لا تنتقد إجراءات معزولة، بل تلمّح إلى اختلال في الرؤية الشاملة للقطاع، حيث تتقاطع الكوارث الطبيعية مع اختيارات اقتصادية تعتبرها منحازة لكبار الفاعلين على حساب الفلاحين الصغار.
وفي ختام بيانها، دعت النقابة إلى تعزيز الالتفاف حول هياكلها وتسريع التحضير لمؤتمرها الوطني، في إشارة إلى استعدادها لخوض مرحلة نضالية أكثر تنظيماً. الرسالة السياسية واضحة: الفلاحون لم يعودوا يكتفون بدور المتلقي للقرارات، بل يطالبون بأن يكونوا طرفاً مقرراً في رسم السياسات التي تحدد مستقبل الأرض والغذاء في البلاد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك