أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
منذ اللحظة التي أُعلن فيها، بمدينة الجديدة، عن انتخاب محمد شوكي رئيساً جديداً لحزب التجمع الوطني للأحرار، دخل الحزب عملياً مرحلة سياسية حساسة تتجاوز منطق التداول التنظيمي نحو اختبار قاسٍ للقدرة على البقاء في الصدارة، في أفق انتخابات تشريعية مرتقبة صيف 2026، وسط سياق مختلف كلياً عن ذلك الذي حمل “الأحرار” إلى القمة سنة 2021.
داخل الكواليس الحزبية، يسود إدراك متزايد بأن التحدي الحقيقي أمام القيادة الجديدة لا يكمن فقط في تدبير مرحلة ما بعد عزيز أخنوش، بل في محاولة تعويض فراغ سياسي وانتخابي ثقيل، ارتبط اسم الحزب به بشكل شبه عضوي خلال العقد الأخير. فحسب معطيات متداولة داخل التنظيم، فإن النموذج الانتخابي الذي أوصل “الحمامة” إلى رئاسة الحكومة لم يكن نتاج قوة تنظيمية مستقلة بقدر ما كان ثمرة مسار شخصي لأخنوش، راكم خلاله نفوذاً سياسياً واقتصادياً واسعاً، وشبكة علاقات ممتدة داخل الدولة والجهات والمنتخبين المحليين.
مصادر حزبية تعتبر أن أخنوش لم يكن مجرد أمين عام أو رئيس حزب، بل كان رافعة انتخابية قائمة بذاتها، بفضل حضوره الطويل في وزارة الفلاحة، وعلاقاته المتشعبة مع الأعيان ودوائر القرار، وقدرته على طمأنة فاعلين محليين حول مواقعهم ومصالحهم داخل التوازنات السياسية، وهو ما سهّل استقطاب أسماء وازنة وبناء تحالفات انتخابية فعالة في محطات حاسمة.
في المقابل، ترى هذه المصادر أن محمد شوكي، رغم شرعيته التنظيمية وانتخابه في مؤتمر استثنائي، يدخل المعترك وهو محمّل بنقص واضح في الرصيد الانتخابي والشبكات المحلية المؤثرة، في حزب اعتاد لسنوات على مركزية القرار وشخصنة القيادة. هذا المعطى يضع الرئيس الجديد أمام اختبار مزدوج: ضبط التوازنات الداخلية، ومنع تفكك القاعدة الانتخابية التي تشكلت في ظل قيادة سابقة قوية.
وتشير تسريبات من داخل الحزب إلى أن عدداً من المنتخبين المحليين والفاعلين الانتخابيين، الذين التحقوا بـ“الأحرار” خلال الولاية السابقة، شرعوا فعلياً في إعادة حساباتهم السياسية، وفتح قنوات تواصل مع أحزاب أخرى، تحسباً لمرحلة ما بعد أخنوش، وفي ظل غموض يلف توجهات القيادة الجديدة، خاصة فيما يتعلق بتوزيع التزكيات والتموقعات الانتخابية المقبلة.
وبحسب نفس المعطيات، فإن الأشهر القادمة قد تشهد نزيفاً صامتاً داخل الحزب، مع احتمال مغادرة أسماء كانت تشكل ثقلاً انتخابياً في أقاليم وجهات بعينها، وهو ما يهدد بشكل مباشر جاهزية الحزب للاستحقاقات المقبلة، ويضعف قدرته على الحفاظ على الخريطة الانتخابية التي راكمها سنة 2021.
داخلياً، توصف المرحلة الحالية بأنها مرحلة “إعادة تموقع محفوفة بالمخاطر”، قد تتسم بتراجع في الحضور الميداني وصعوبات في التعبئة، خصوصاً في الدوائر التي كان فيها صعود الحزب مرتبطاً بشبكات دعم بُنيت في عهد أخنوش، أكثر مما ارتبطت بولاء تنظيمي صلب.
وتجمع قراءات داخلية على أن جزءاً كبيراً من القوة الانتخابية التي راكمها “الأحرار” كان مشدوداً إلى صورة أخنوش باعتباره فاعلاً وازناً قادراً على ضمان الاستمرارية والاستقرار داخل المشهد السياسي، وهو عنصر لا يتوفر، إلى الآن، بنفس الحدة لدى القيادة الجديدة.
أمام هذه المعطيات، تسود داخل أوساط متابعة قناعة بأن قدرة محمد شوكي على قيادة الحزب نحو تصدر انتخابات 2026 تبقى محدودة في المدى القريب، ما لم ينجح في احتواء موجة الترقب والمغادرة المحتملة، وإعادة بناء شبكات دعم انتخابي قوية قادرة على تعويض الفراغ الذي خلّفه خروج عزيز أخنوش من واجهة الحزب. وفي انتظار ذلك، يبدو أن “الأحرار” دخلوا فعلياً زمن الاختبار… اختبار البقاء في القمة دون الرجل الذي صنعها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك