الهنود الحمر كانوا مسلمين؟ أو عندما يتحول الشغف بالهوية إلى تزوير للتاريخ

الهنود الحمر كانوا مسلمين؟ أو عندما يتحول الشغف بالهوية إلى تزوير للتاريخ
سياسة / السبت 07 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

في كل مرة تعود هذه الرواية إلى التداول، تصدم القارئ لا بقوتها بقدر ما تفضح هشاشتنا أمام الأخبار التي تلامس العاطفة الدينية والذاكرة الجريحة.

فمقولة، إن “الهنود الحمر كانوا مسلمين” انتشرت كالنار في الهشيم، قُدّمت كحقيقة مطلقة، واستُخدمت لإعادة كتابة تاريخ القارة الأمريكية خارج أي ميزان علمي أو توثيق رصين.

والرواية تزعم أن سكان أمريكا الأصليين عاشوا مسلمين في سلام، وأن الأوروبيين “الصليبيين” أبادوهم في أكبر مجزرة عرفها التاريخ، وتستند إلى اقتباسات منسوبة لكريستوفر كولومبس، وأسماء باحثين غربيين، وإشارات إلى مساجد مزعومة في كوبا والمكسيك، ووثائق هدنة موقعة بحروف عربية. غير أن المشكلة الجوهرية ليست في قوة السرد، بل في غياب الدليل القابل للتحقق.

المؤرخون المتخصصون في تاريخ ما قبل كولومبس يؤكدون أن الحضارات الأمريكية الأصلية – الأزتيك، المايا، الإنكا وغيرها – امتلكت أنظمة عقائدية وروحية معقدة، موثقة بالنقوش، والعمارة، والطقوس، ولم يُعثر على أي دليل أثري أو لغوي أو نصي يثبت اعتناقها للإسلام قبل وصول الأوروبيين.

لا مساجد موثقة، لا مصاحف، لا شواهد قبور، ولا مخطوطات عربية، وهو ما يجعل الادعاءات المتداولة أقرب إلى إسقاط أيديولوجي معاصر على الماضي.

أما الاقتباسات المنسوبة لكولومبس حول “المساجد” أو “اللباس الغرناطي”، فقد خضعت لتمحيص أكاديمي دقيق، وتبيّن أن أغلبها تأويلات مغلوطة أو اقتطاعات خارج سياقها، بل إن بعض الأسماء والكتب المتداولة في هذه السردية لا وجود لها أصلاً في سجلات البحث الجامعي.

الأمر نفسه ينطبق على مزاعم تحويل الكنائس الأولى في المكسيك من مساجد، وهي فرضية لم تصمد أمام علم الآثار ولا دراسات العمارة الدينية.

هذا لا يعني تبرئة الاستعمار الأوروبي، ولا التقليل من فظاعة ما تعرض له السكان الأصليون من إبادة ونهب وطمس للهوية، وهي جرائم موثقة بالأرقام والشهادات.

لكن فضح الجريمة لا يحتاج إلى اختلاق تاريخ بديل، ولا إلى أسلمة شعوب بأثر رجعي لإدانة الغرب. الحقيقة وحدها، كما هي، أكثر قسوة وإدانة من أي أسطورة.

تحويل التاريخ إلى أداة عزاء نفسي أو انتقام رمزي، يسيء للمعرفة كما يسيء للقضية التي يدّعي الدفاع عنها.

فالهنود الحمر لم يكونوا مسلمين، لكنهم كانوا شعوباً ذات حضارات عظيمة، دُمّرت باسم الطمع والاستعمار.

وهذه الحقيقة، حين تُروى بصدق، لا تحتاج إلى تزوير، بل إلى شجاعة في مواجهتها.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك