أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
فجّر المجلس الأعلى للحسابات معطيات ثقيلة الدلالة حول تدبير الدعم العمومي الموجه للأحزاب السياسية، كاشفا أن جزءا معتبرا من المال العام لا يزال عالقا خارج خزينة الدولة، رغم ثبوت عدم استحقاقه. التقرير السنوي للمجلس يرسم صورة مقلقة لعلاقة التنظيمات الحزبية بالأموال العمومية، ويضعها مجددا في قلب مساءلة سياسية وأخلاقية مفتوحة.
وحسب المعطيات الرسمية، فإن 14 حزبا سياسيا مطالبا بإرجاع ما يقارب 22 مليون درهم إلى الخزينة العامة، بعدما تبين أنها مبالغ صُرفت أو احتُفظ بها دون سند قانوني واضح. وإلى حدود 15 نونبر 2025، بلغ مجموع الأموال التي لم يتم استرجاعها بعد 21,85 مليون درهم، تتوزع بين دعم لم تُدل بشأنه وثائق الإثبات القانونية بقيمة تفوق 15 مليون درهم، ومبالغ لم تُستعمل أصلا، وأخرى وُجهت لغير الأغراض التي خُصصت لها، فضلا عن مبالغ اعتُبرت غير مستحقة من الأساس.
الأرقام تكشف أن جوهر الإشكال يتمركز أساسا في الدعم الانتخابي، إذ يرتبط 94 في المائة من المبالغ غير المرجعة بتمويل الحملات الانتخابية. جزء منها يعود إلى استحقاقات 2015 و2016 بقيمة تناهز 2,4 مليون درهم استفادت منها ثلاثة أحزاب، بينما يشمل الجزء الأكبر انتخابات 2021 بما يفوق 18 مليون درهم تهم سبعة أحزاب. في المقابل، ما تزال ستة أحزاب تحتفظ بأزيد من 1,3 مليون درهم مرتبطة بدعم التدبير خلال سنة 2017 والفترة الممتدة بين 2020 و2023.
ورغم هذا الواقع، يشير المجلس إلى أن عمليات الاسترجاع لم تتوقف، وإن ظلت بطيئة مقارنة بحجم المبالغ المرصودة. فقد تمكنت 24 حزبا، خلال أربع سنوات، من إعادة ما مجموعه 36,03 مليون درهم إلى خزينة الدولة، منها 19 مليون درهم سنة 2022، و8,07 ملايين درهم سنة 2023، و8,85 ملايين درهم سنة 2024، في حين لم تتجاوز المبالغ المرجعة خلال 2025، إلى حدود منتصف نونبر، 115 ألف درهم فقط.
وتُظهر تفاصيل التقرير أن الأموال المسترجعة همت أساسا تمويل الحملات الانتخابية بما يفوق 28,7 مليون درهم، إضافة إلى 2,53 مليون درهم مرتبطة بمصاريف التدبير، ونحو 4,79 ملايين درهم خُصصت للمهام والدراسات والأبحاث.
هذه الأرقام، بلغة السياسة لا المحاسبة فقط، تعيد طرح سؤال جوهري حول مصداقية الخطاب الحزبي المرتبط بالحكامة والشفافية، وحول مدى احترام التنظيمات السياسية لقواعد تدبير المال العام الذي تُطالب بحسن إدارته وهي خارج السلطة. كما تضع التقرير في خانة الإنذار الصريح: المال العمومي ليس غنيمة انتخابية، بل أمانة تخضع للمحاسبة، مهما طال الزمن أو تغيرت المواعيد الانتخابية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك