أنتلجنسيا:ياسر اروين
ليست الانتخابات في المغرب، كما تُقدَّم للرأي العام، لحظة تعبير ديمقراطي عن إرادة المجتمع وتنوعه، بل أداة مركزية لإعادة تثبيت السلطة وتعزيز مشروعيتها السياسية، أكثر مما هي وسيلة فعلية للتداول أو للمحاسبة.
هذا المعطى الصادم يضع العملية الانتخابية في قلب مفارقة مغربية مزمنة، حيث تُضخَّم الاستحقاقات الانتخابية إعلامياً وسياسياً، بينما يتم تفريغها عملياً من مضمونها التحويلي.
فالانتخابات، في جوهرها الوظيفي، لا تخرج عن إطار تقني محدود يتمثل في إنتاج أغلبية برلمانية وصياغة حكومة جديدة، دون أن تعكس فعلياً التحولات الاجتماعية أو الاختلافات العميقة داخل المجتمع المغربي.
ومنذ ستينيات القرن الماضي إلى اليوم، ظل هاجس “الشفافية” هو العنوان الأبرز المرافق لكل استحقاق، لا باعتباره مؤشراً على نضج ديمقراطي، بل كآلية لشرعنة مسار انتخابي يُمنح حجماً سياسياً أكبر من قدرته الحقيقية على التغيير، وكأنه منعطف تاريخي حاسم، بينما هو في الواقع إعادة ترتيب داخل نفس البنية.
ورغم هذا القيد البنيوي، تظل الانتخابات واحدة من الملفات الثلاثة التي تؤطر النقاش السياسي العمومي إلى جانب الدستور وحقوق الإنسان، ليس لأنها تحسم الخيارات الكبرى، بل لأنها تخلق لحظة استثنائية قصيرة العمر، تنفلت فيها الخطابات والمواقف من صرامتها المعتادة، وتُتاح خلالها للفاعلين السياسيين فرصة إعادة تموقع مؤقتة داخل مشهد مضبوط السقف، فهي لحظة تنفيس سياسي أكثر منها لحظة تقرير مصير.
أما على مستوى القوانين المؤطرة، فإن المدونة الانتخابية لم تُبنَ دفعة واحدة وفق تصور ديمقراطي مكتمل، بل تشكلت بشكل تدريجي وبطيء، عبر تراكم تعديلات جزئية تفرضها كل محطة انتخابية، غالباً في سياق مفاوضات تقنية ومشاورات سياسية لا تمس جوهر الاختلال.
وبهذا المعنى، اشتغلت الهندسة الانتخابية في خدمة نظام لم يكتمل انتقاله الديمقراطي، نظام يمكن توصيفه بكونه سلطوياً في صيغة جديدة، أو هجيناً يجمع بين آليات التمثيل وممارسات الضبط.
ويكشف النقاش الدائم بين الدولة والفاعلين السياسيين، خاصة داخل المعارضة المتحركة بحسب الظرفية، عن منطق شدّ وجذب غير متكافئ: دولة تسعى إلى التحكم والمراقبة وضبط الإيقاع، في مقابل معارضة تحاول توسيع الهوامش وانتزاع مواقع داخل حقل سياسي شديد التحكّم. صراع لا يُحسم داخل صناديق الاقتراع، بل يُدار في كواليس التوازنات.
وتبرز إحدى المفارقات الصارخة في الاستقرار الانتخابي لبعض الأحزاب داخل مجالات جغرافية محددة، مقابل الصعود المفاجئ ثم الاختفاء السريع لأحزاب أخرى، ما يعكس هشاشة العلاقة بين جزء كبير من التنظيمات الحزبية والمجتمع.
فحين تختفي الأحزاب بنفس السرعة التي صعدت بها، يصبح السؤال عن التمثيلية سؤالاً معلقاً، لا جواب له داخل منطق الانتخابات نفسه، مع استثناءات محدودة لمسارات خاصة داخل المشهد السياسي.
كما أن اختفاء ظاهرة المرشحين غير المنتمين، التي كانت حاضرة بقوة في مراحل سابقة، يعكس تحوّلاً في تصور الدولة لأدوات تدبير الحقل السياسي. بعد أن كان يُنظر إلى هؤلاء كاحتياطي محتمل، أصبح الرهان اليوم على الأحزاب نفسها كقوة احتياطية، داخل مشهد لا يسمح بالحركة إلا عبر التحالفات، ولا ينتج أغلبيات مطلقة، ما يجعل الاستقرار السياسي مُداراً لا ناتجاً عن تنافس حقيقي.
وفي المحصلة، يظل الطابع اللاتنافسي هو السمة الغالبة على الانتخابات المغربية. تنافس محدود، سقوف مرسومة، ومناخ انتخابي تغيّر شكله عبر الزمن من تدخل مباشر وصريح إلى تدخل منخفض أو غير مرئي، دون أن يؤدي ذلك إلى توسيع فعلي لمجال التنافس.
وهنا يكمن جوهر الإشكال، حيث انتخابات تُجرى بانتظام، لكن دون قدرة حقيقية على زعزعة موازين القوة أو ترجمة المجتمع داخل المؤسسات، لتتحول الديمقراطية إلى إجراء، لا إلى ممارسة، وإلى طقس سياسي متكرر، لا إلى أداة تغيير.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك