نضال المعتقلين الإسلاميين بين المطلب السياسي وحدود الرعاية اللاحقة

نضال المعتقلين الإسلاميين بين المطلب السياسي وحدود الرعاية اللاحقة
سياسة / الأربعاء 21 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

يشكل ملف المعتقلين الإسلاميين في المغرب أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في مرحلة ما بعد تفكيك القضايا المرتبطة بالإرهاب، ليس فقط بسبب أبعاده الأمنية والقضائية، بل أساسا لأنه تحول إلى ملف حقوقي وسياسي مفتوح على أسئلة العدالة الانتقالية وجبر الضرر. في هذا السياق، يبرز موقف المعتقل الإسلامي عبد الحق مهيم بوصفه تعبيرا مكثفا عن تصور شريحة من المعتقلين السابقين لطبيعة الحل المطلوب، وحدود المقاربات الرسمية المعتمدة إلى اليوم.

ينطلق هذا الموقف من رفض صريح لما يعرف بـ(دعم الرعاية اللاحقة)، باعتباره في نظر المعتقل السابق  مهيم ومن يشاطره الرأي مقاربة اختزالية تعالج النتائج الاجتماعية والنفسية للاعتقال دون الاقتراب من جذوره السياسية والحقوقية. فالرعاية، في هذا التصور، ليست سوى (مسكنات) مؤقتة تقدم بدل الاعتراف الرسمي بالضرر الواقع، وبدل فتح مسار واضح لجبر الضرر الفردي والجماعي الناتج عن محاكمات استثنائية، وأحكام مشددة، وسنوات من العزل الاجتماعي والوصم الرمزي.

إن نضال المعتقلين الإسلاميين حول مطلب جبر الضرر لا ينفصل عن وعيهم بأن ما تعرضوا له لا يمكن اختزاله في تجربة سجنية عادية، بل هو مسار مركب شمل الاعتقال، والمحاكمة، والحرمان من الحقوق، ثم صعوبات الإدماج بعد الإفراج. لذلك، ظل مطلبهم المركزي سياسيا بامتياز: اعتراف مؤسساتي بالانتهاك، وجبر ضرر مادي ومعنوي، وإدماج قائم على الإنصاف لا على الإحسان. ومن هنا، لم يكن الخلاف مع المؤسسات المشرفة على الإدماج خلافا تقنيا حول اليات الدعم، بل خلافا حول تعريف المشكلة نفسها.

في قلب هذا التوتر، تبرز تجربة التعاطي مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، التي تمثل الواجهة الرسمية لسياسة الإدماج. فرغم ما ترفعه المؤسسة من شعارات الدعم والمواكبة، يرى عدد من المعتقلين السابقين أن تدخلها بقي محصورا في الجانب الاجتماعي الضيق: مساعدات ظرفية، ووساطات محدودة، وبرامج إدماج لا تراعي الخصوصية السياسية والقانونية لملفهم. وهو ما خلق شعورا واسعا بأن المؤسسة تشتغل بمنطق (تدبير ما بعد الأزمة) لا بمنطق معالجة جذور الضرر.

رفض عبد الحق مهيم التعامل مع المؤسسة يندرج في هذا الإطار؛ فهو ليس رفضا شخصيا أو احتجاجا معزولا، بل موقف مبدئي يهدف إلى عدم منح الشرعية لمسار ينظر إليه باعتباره بديلا عن الاستجابة للمطلب الحقيقي. فالتعاون مع برامج الرعاية، وفق هذا التصور، قد يفهم ضمنيا كقبول بإغلاق الملف دون تسوية عادلة، ودون انتقال من منطق الاحتواء الاجتماعي إلى منطق الاعتراف السياسي.

تكشف هذه التجربة عن معضلة أعمق في المقاربة المغربية لملف المعتقلين الإسلاميين: إذ يجري التركيز على تفكيك الخطاب المتطرف، وإعادة الإدماج الاجتماعي، دون فتح نقاش عمومي صريح حول مسؤولية الدولة، وحدود المقاربة الأمنية، وإمكانات إدماج الملف ضمن أفق العدالة الانتقالية. والنتيجة هي فجوة متزايدة بين المؤسسات الرسمية التي ترى في الرعاية اللاحقة نهاية للمسار، والمعتقلين السابقين الذين يعتبرونها مجرد محطة ثانوية لا تغني عن المطلب الجوهري.

في المحصلة، لا يمكن فهم رفض عبد الحق مهيم ولا نضال المعتقلين الإسلاميين حول جبر الضرر خارج هذا السياق البنيوي. فالقضية لا تتعلق بالمساعدة من حيث هي مساعدة، بل بالسؤال السياسي المؤجل: كيف يمكن طي هذا الملف دون اعتراف صريح، ودون جبر ضرر شامل، ودون تحويل الإدماج من منحة مشروطة إلى حق قائم على العدالة والإنصاف؟ ما لم يفتح هذا الأفق، ستظل الرعاية اللاحقة مهما حسنت نواياها عاجزة عن تحقيق المصالحة الحقيقية، ومجرد إجراء إداري في مواجهة جرح سياسي لم يداو بعد.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك