بقلم:خالد راكز
لم يكن اخنوش مجرد رئيس للحكومة أو زعيم حزب لقد كان تجسيدا مكثفا لمرحلة كاملة من تاريخ الحكم في المغرب؛ مرحلة حكم السوق باسم الدولة حيث جرى تحويل السياسة إلى تقنية والحزب الى شركة والمجتمع الى معادلة ارقام لذلك فإن مجرد التفكير في استقالته او ازاحته لا ينبغي ان يقرا بوصفه حدثا شخصيا او اخلاقيا بل باعتباره تحولا في منطق السلطة نفسها.
في العقود الأخيرة سارت الدولة المغربية في اتجاه يمكن تسميته بالنيولبرالية السلطوية
دولة قوية سياسيا ضعيفة اجتماعيا تفوض تدبير الحياة اليومية للسوق وتكتفي بضبط الحدود الكبرى وهذا النموذج يحتاج إلى واجهة بعينها؛ رجل أعمال قوي متصالح مع الرأسمال الدولي قادر على مخاطبة والتكيف مع المستثمرين وغير معني بالتوترات الرمزية داخل المجتمع، اخنوش كان المرشح المثالي لهذه الوظيفة.
لكن كل نموذج يصل لحظة تستهلك فيها شروط. إمكانه؛ ما حدث في السنوات الأخيرة هو تأكل شامل للقدرة على التحمل الاجتماعي ،تضخم وارتفاع الأسعار، سحق الطبقة المتوسطة وتراجع أفق لم يعد رجل الأعمال الحاكم مصدر طمأنة بل صار رمزا للهوة بين من يملك ومن يدفع وهنا يدخل منعطف الدولة العميقة كما وصفه بيير بورديو حين يتحول الرأسمال الاقتصادي الى عدد رمزي يقصى من الواجهة لا لأنه فشل اداريا بل لأنه استهلك رمزيا.
ان إزاحة اخنوش ان حدثت لا تعني نهاية النيولبرالية بل نهاية صيغتها الوقحة
الدولة لا تتخلى عن السوق لكنها تعيد ضبط علاقته بالمجتمع؛ نحن امام ما يمكن تسميته بالمنعطف السلطوي الاجتماعي.
عودة الدولة إلى لعب دور حماىئ محدود، الاسعار، الدعم، الخطاب الاجتماعي ليس من أجل العدالة بل من اجل الاستقرار، هذا المنعطف معروف تاريخيا حين تقترب البنية من حدود الانفجار ثم تدخل عناصر اجتماعية لامتصاص الصدمة.
في هذا السياق يصبح اخنوش خطرا بنيويا لا لأنه فاسد او ضعيف بل لأنه يمثل لحظة غير قابلة للاستمرار.
الدولة تحتاج اليوم إلى واجهة اقل ثراء أكثر خطابا اجتماعيا أقدر على مخاطبة الألم الجماعي واقل ارتباطا بالسوق وهذا التحول له وظيفته الاجتماعية؛ تجفيف منابع الغضب التي يتغذى منها الاسلام السياسي والشعبوية بإعادة ادخال الدولة كفاعل مباشر في المجال الاجتماعي.
لكن المفارقة ان هذا الامر لا يقود الى ديموقراطية بل الى شكل أكثر ذكاء من السلطوية؛ دولة تتدخل اجتماعيا لا تفتح سياسيا انها سياسة بلا تمثيل ورعاية بلا مساءلة.
وهذا ما يجعل المرحلة القادمة أخطر فالغضب لن ينطفئ بل سيتحول الى طاقة احتجاجية بلا وسائط، بلا احزاب بلا سردية، بهذا المعنى اخنوش ليس المشكل واستقالته ان حصلت فهي تعبر عن إعادة تموضع النظام.
الدولة لا تغير بنيتها حين تشتد الازمات بل تغير وجهها والوجوه مهما بدت قوية ليست سوى أقنعة لزمنها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك