أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا
أصبح الرأي العام المغربي أكثر وعيًا بالسياسة الخفية التي
تُمارس من طرف بعض المؤسسات الرسمية والإعلامية الإلكترونية المسخرة، والتي تعتمد
على سياسة الإلهاء لإبعاد المواطن عن القضايا الحقيقية التي تؤثر على حياته
اليومية، مثل الصحة، التعليم، وفرص الشغل، وتحويل اهتمامه إلى أمور تافهة لا تقدم
ولا تؤخر. هذه السياسة تعكس رغبة واضحة في السيطرة على النقاش العمومي وتحويله من
مطالب اجتماعية مشروعة إلى متابعة تفاصيل شخصية أو أحداث سطحية لا تمس الواقع
الاقتصادي والاجتماعي للمواطن.
المؤثرون الذين يروّج لهم الإعلام التافه يتم تصويرهم كمواهب أو
مشاهير، بينما الحقيقة أنهم أدوات لإلهاء الجماهير. هؤلاء يحققون أرباحًا مالية
كبيرة من المشاهدات والإعلانات، إضافة إلى حماية مؤقتة من الانتقاد، وهو ما يجعلهم
أداة فعالة لتحويل النقاش العام من مطالب جوهرية إلى تمثيليات فارغة وجدل بلا قيمة.
لقد لاحظ المتابعون كيف أن الإعلام التافه تلقى الضوء الأخضر
لمتابعة أخبار شخصية غير مهمة، مثل زوجة مطلقة خرجت من السجن أو أخرى تعلن إفطارها
في رمضان منذ سنوات، بينما لا يغطي أي نقاش جاد عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية
الملحة. هذه المغالاة في التفاصيل التافهة تجعل المواطن يستنزف طاقته في متابعة
أخبار لا علاقة لها بحياته اليومية، ويُصرف عن التفكير في المشاكل الجوهرية التي
تحدد مستوى معيشته ومستقبل أولاده.
التأثير النفسي لهذا النوع من الإعلام خطير، لأنه يعوّد المواطن
على الانشغال بالفراغ بدل العمل على المطالبة بحقوقه الأساسية، ويكرس ثقافة النقاش
السطحي والاهتمام بالمظاهر بدل المضمون. المواطن يصبح أكثر انشغالًا بما هو تافه،
وأقل قدرة على التمييز بين ما هو مهم وما هو مجرد لعب إعلامي يستهلك وقته ويصرف
تفكيره عن مطالبته بحقوقه المشروعة.
في المقابل، لا نجد أي نقاش حقيقي عن التوزيع العادل للثروة أو
عن خلق فرص عيش كريم، أو حتى متابعة جدية للسياسات التي تؤثر مباشرة على جودة
التعليم والصحة والخدمات العمومية. الإعلام يفضل الإبحار في التفاصيل الشخصية
والخلافات التافهة، تاركًا المواطن في حالة من الانفعال السطحي والاهتمام بقضايا
لا تمس الواقع، وهو ما يضعف القدرة المجتمعية على الضغط من أجل إصلاحات حقيقية.
هذا الواقع يفرض على المثقفين والرأي العام الجاد تطوير أدوات
جديدة لفك التشفير الإعلامي والتمييز بين المحتوى الترفيهي والمعلوماتي، والمطالبة
بمساحة حقيقية للنقاش الاجتماعي والسياسي الذي يخدم مصالح المواطنين، بدل التلاعب
بعقولهم وتوجيه طاقاتهم نحو الفراغ والتسلية غير المنتجة.
في النهاية، سياسة الإلهاء
وإعلام التافهين ليست مجرد صدفة، بل هي استراتيجية واضحة لإبقاء المواطن مشغولًا
بما لا يعكس أولوياته الحقيقية، وهو ما يجعل الانتباه الجماعي ضروريًا، والمطالبة
بمساءلة الإعلام والمحتوى الرقمي ضرورة عاجلة لضمان أن تبقى القضايا الحقيقية في
صدارة النقاش العمومي، وأن يعود المواطن إلى ممارسة حقه الطبيعي في متابعة ما يمس
حياته ومستقبله.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك