أسعار الغذاء تشتعل والقدرة الشرائية تنهار وأسر فقيرة مهددة بالعجز عن توفير أبسط ضروريات الحياة

أسعار الغذاء تشتعل والقدرة الشرائية تنهار وأسر فقيرة مهددة بالعجز عن توفير أبسط ضروريات الحياة
بانوراما / الخميس 05 نونبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: وصال . ل

لم يعد غلاء المعيشة في المغرب مجرد شكوى تتردد في الأسواق والمقاهي والبيوت، بل تحول إلى كابوس يومي يطارد ملايين الأسر التي تجد نفسها أمام معركة قاسية لتوفير الغذاء وأداء فواتير الماء والكهرباء والكراء، ففي الوقت الذي تتآكل فيه المداخيل تحت ضغط المصاريف المتزايدة، تكشف أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط عن ارتفاع الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 1 في المائة خلال شهر شتنبر 2026 مقارنة بشهر غشت، وهو ارتفاع تقوده المواد الغذائية التي قفزت أسعارها بنسبة 1.6 في المائة، لتصبح مائدة الأسرة المغربية واحدة من أكثر ضحايا موجة الغلاء إثارة للقلق.

والأكثر إثارة للخوف أن الزيادة لم تقتصر على مادة غذائية واحدة، بل امتدت إلى مجموعة من المنتجات التي تشكل أساس الاستهلاك اليومي للمواطنين، ففي شهر غشت 2026 سجلت أسعار السمك وفواكه البحر والحليب والجبن والبيض ارتفاعاً بنسبة 2.8 في المائة، بينما ارتفعت أسعار اللحوم بنسبة 2.2 في المائة والخضر بنسبة 1 في المائة، وهي أرقام تعكس حجم الضغط الذي تتعرض له الأسر التي أصبحت مضطرة إلى إعادة ترتيب مشترياتها والتخلي عن بعض المنتجات أو تقليص كمياتها، في وقت لم تعد فيه الميزانية الشهرية كافية لتغطية الحاجيات الأساسية بسهولة.

وفي ظل هذا الوضع، تبدو الفئات الفقيرة والطبقة المتوسطة الأكثر تعرضاً للخطر، لأن الجزء الأكبر من دخلها يذهب مباشرة إلى الطعام والسكن والنقل والتطبيب والتعليم، وأي زيادة جديدة في أسعار المواد الأساسية تتحول إلى ضربة مباشرة لميزانية الأسرة، فالعامل الذي يتقاضى أجراً محدوداً والمتقاعد الذي يعتمد على معاش ثابت والأم التي تحاول تدبير مصاريف أطفالها يجدون أنفسهم أمام معادلة قاسية، إما تقليص الاستهلاك أو الاستدانة أو تأجيل أداء بعض الالتزامات، وهو ما يفتح الباب أمام اتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية وتراجع الإحساس بالأمان الاقتصادي.

وأمام تصاعد المخاوف، أعلنت الحكومة يوم 3 نونبر 2026 إحداث لجنة بين وزارية تضم القطاعات الحكومية المعنية، وذلك عقب اجتماع ترأسته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بالرباط لمناقشة الوضع الاقتصادي وتطورات القدرة الشرائية، وتضم القطاعات المشاركة وزارات الداخلية والاقتصاد والمالية والفلاحة والصناعة والتجارة والنقل واللوجيستيك إلى جانب الأمانة العامة للحكومة، وستتولى اللجنة عقد اجتماعات دورية لتتبع تقلبات الأسعار واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المستهلكين، خصوصاً بالنسبة للمواد التي تعرف إقبالاً كبيراً مع اقتراب شهر رمضان، غير أن الإعلان عن لجنة جديدة لا يعني بالضرورة أن أسعار الأسواق ستنخفض فوراً أو أن العبء المالي عن الأسر سيختفي.

وتزداد المخاوف عندما نضع هذه التطورات في سياق الأرقام الرسمية للتضخم، فقد أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك ارتفع خلال شتنبر بنسبة 1 في المائة على أساس شهري، مع زيادة بلغت 1.6 في المائة في المنتجات الغذائية و0.4 في المائة في المنتجات غير الغذائية، كما سجل مؤشر التضخم الأساسي ارتفاعاً بنسبة 0.5 في المائة خلال شهر واحد و0.6 في المائة على أساس سنوي، وهي مؤشرات تفرض مراقبة دقيقة لتطور تكاليف المعيشة، لأن استمرار الضغوط على أسعار الغذاء والخدمات قد يجعل تدبير المصاريف اليومية أكثر صعوبة بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود.

وفي الأسواق الشعبية ومحلات البقالة، لا تحتاج الأسر إلى تقارير اقتصادية طويلة حتى تشعر بثقل الأزمة، فالمواطن الذي يدخل السوق بقائمة مشتريات محددة قد يجد نفسه مضطراً إلى حذف بعض المنتجات بعدما يكتشف أن المبلغ الذي يحمله لم يعد يكفي لتلبية حاجيات البيت، والأخطر أن هذا الضغط لا ينعكس على الاستهلاك وحده، بل قد يمتد إلى التغذية وجودة الحياة والقدرة على مواجهة المصاريف الصحية والتعليمية، ومع غياب أرقام رسمية موحدة تقيس حجم العجز المالي لكل أسرة، يبقى من الضروري التمييز بين الزيادات المسجلة في المؤشرات الوطنية وبين الأثر الحقيقي الذي يختلف من مدينة إلى أخرى ومن أسرة إلى أخرى.

إن المغرب يقف أمام اختبار اجتماعي لا يحتمل الاكتفاء بالتصريحات والوعود، لأن حماية القدرة الشرائية لا تتحقق بمجرد إنشاء اللجان والاجتماعات، بل تحتاج إلى مراقبة صارمة للأسواق ومحاربة المضاربة والاحتكار وضمان شفافية الأسعار واستقرار التموين، إلى جانب إجراءات ملموسة تحمي الفئات الهشة وتخفف الأعباء عن الطبقة المتوسطة، فحين يصبح توفير الغذاء تحدياً يومياً وتتحول أبسط المشتريات إلى مصدر للقلق، فإن الخطر يتجاوز الاقتصاد ليصل إلى الاستقرار الاجتماعي والثقة في المستقبل، وما تنتظره الأسر المغربية اليوم ليس مزيداً من الوعود، بل نتائج حقيقية تظهر في الأسواق وتنعكس مباشرة على فواتيرها وسلال مشترياتها.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك