صفقة مثيرة للجدل تهز وزارة التعليم مع انطلاق الباكالوريا وتفتح أسئلة حول المال العام وفعالية الحلول التقنية

صفقة مثيرة للجدل تهز وزارة التعليم مع انطلاق الباكالوريا وتفتح أسئلة حول المال العام وفعالية الحلول التقنية
بانوراما / الخميس 04 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

مع أولى ساعات انطلاق امتحانات الباكالوريا، انفجر جدل واسع في الأوساط التربوية والإعلامية حول صفقة أجهزة رصد الهواتف النقالة داخل قاعات الامتحان، بعدما بدأت تتصاعد تساؤلات حادة بشأن مدى فعاليتها الفعلية مقارنة بما تم الترويج له رسمياً خلال الأشهر الماضية، وسط حديث متزايد عن فجوة بين الخطاب المعلن والنتائج الميدانية.

ومع دخول الامتحانات مرحلة التنفيذ، برزت معطيات تفيد بأن الأجهزة التي تم اقتناؤها لم تحقق الأثر المتوقع في الحد من الغش الإلكتروني، وهو ما فتح الباب أمام انتقادات واسعة طالت طريقة تدبير الصفقة، وكذا حجم الأموال التي رُصدت لها، والتي تشير مصادر مطلعة إلى أنها بلغت مستويات مالية مهمة قدرت بملايين الدراهم، في مشروع كان يفترض أن يشكل أحد أبرز “حلول الرقمنة” في مواجهة ظاهرة الغش داخل المنظومة التعليمية.

وفي خضم هذا الجدل، تتحدث مصادر متتبعة عن غياب أي أثر واضح لهذه الصفقة في المنصات الرسمية للصفقات العمومية الخاصة بالوزارة، وهو ما أثار علامات استفهام إضافية حول المسار الإداري الذي تم اعتماده في اقتناء هذه الأجهزة، وسط اتهامات بوجود صيغة تفاوضية خارج المساطر المعتادة، جرى تفعيلها في ظرف زمني وُصف بـ”الحساس”، قبيل الامتحانات، دون المرور بكل مراحل الشفافية التي ترافق عادة مثل هذه الصفقات.

هذا المعطى أعاد إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول طريقة تدبير عدد من الصفقات المرتبطة بقطاع التعليم خلال السنوات الأخيرة، حيث يرى منتقدون أن بعض المشاريع الكبرى تم تمريرها في سياقات تفتقر إلى الوضوح الكامل، مع محدودية في عمليات التتبع والمساءلة، رغم حجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، وما تثيره من جدل داخل الرأي العام.

في السياق السياسي، دخلت البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي فاطمة التامني على خط الجدل، منتقدة بشدة ما وصفته بـ”التدبير الإعلامي” لملفات الامتحانات، معتبرة أن ما تم تقديمه للرأي العام باعتباره إنجازاً تقنياً تحول سريعاً إلى مادة للنقاش حول الفعالية الحقيقية لهذه الأجهزة، وحول أولويات الإصلاح داخل قطاع التعليم.

وترى التامني أن طريقة تقديم المشروع قبل الامتحانات حملت طابعاً احتفالياً مبالغاً فيه، حيث تم الترويج له كحل جذري لمعضلة الغش، في حين أظهرت الوقائع الميدانية أن النتائج لم ترق إلى مستوى الخطاب الرسمي. هذا التباين، حسب تعبيرها، يطرح إشكالاً أعمق يتعلق بكيفية صناعة “النجاح الإداري” داخل القطاع، مقابل واقع تعليمي يواجه تحديات بنيوية متراكمة.

وتضيف البرلمانية أن الإشكال لا يرتبط فقط بفعالية الأجهزة التقنية، بل بمنهجية اتخاذ القرار داخل الوزارة، حيث يتم التركيز على الحلول السريعة ذات الطابع الإعلامي، في مقابل تأجيل الإصلاحات العميقة المرتبطة بجودة التعلمات، وتأهيل المدرسة العمومية، وتحسين ظروف التمدرس. وترى أن هذا التوجه يؤدي في النهاية إلى إنتاج “إنجازات معلنة” لا تجد صدى حقيقياً في الواقع اليومي للتلاميذ.

كما تشير التامني إلى أن ما وصفته بـ”التناقض بين الخطاب والواقع” أصبح سمة متكررة في تدبير عدد من الملفات التربوية، حيث يتم تقديم مؤشرات النجاح بشكل مسبق، قبل أن تكشف التجربة الميدانية عن اختلالات تعيد النقاش إلى نقطة البداية، وتضع علامات استفهام حول جدوى بعض الاختيارات التقنية والمالية.

وفي خلفية هذا الجدل، يبرز سؤال أكبر يتعلق بكيفية صرف المال العام داخل قطاع حساس مثل التعليم، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع ذات طابع تكنولوجي يُفترض أن تكون خاضعة لمعايير دقيقة في الاختيار والتقييم والتتبع. فغياب الوضوح في بعض الصفقات، حسب منتقدين، لا يفتح فقط باب التشكيك، بل يعيد طرح مسألة الحكامة داخل المنظومة برمتها.

وبينما تتواصل امتحانات الباكالوريا في أجواء مشحونة بهذا النقاش، يجد القطاع التعليمي نفسه مرة أخرى في قلب جدل يتجاوز حدود قاعات الامتحان، ليمتد إلى أسئلة أعمق حول الإصلاح، والفعالية، وطرق تدبير السياسات العمومية في مجال يعتبر من أكثر القطاعات حساسية في البلاد.

وفي انتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة من معطيات إضافية حول هذه الصفقة، يبدو أن الجدل لم يعد يقتصر على فعالية أجهزة رصد الغش، بل تحول إلى نقاش أوسع حول فلسفة الإصلاح في التعليم، وحدود التداخل بين التدبير التقني والصورة السياسية، في قطاع ما يزال يبحث عن توازن دقيق بين الطموح المعلن والنتائج الملموسة على أرض الواقع.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك