من أنتويرب إلى طنجة..المغرب يسعى لربح معركة النفوذ في قلب أوروبا ودعم الحكم الذاتي يتسع

من أنتويرب إلى طنجة..المغرب يسعى لربح معركة النفوذ في قلب أوروبا ودعم الحكم الذاتي يتسع
بانوراما / الخميس 04 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

 تحولت مدينة أنتويرب البلجيكية إلى منصة سياسية واقتصادية بارزة أكدت من خلالها شخصيات وازنة من مختلف المشارب دعمها المتزايد للمغرب ورؤيته الاستراتيجية تجاه عدد من القضايا الكبرى، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية. اللقاء الذي احتضنته المدينة بمبادرة من جمعية “أصدقاء المغرب” وبتنسيق مع سفارة المملكة لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية عابرة، بل حمل رسائل قوية تؤشر على اتساع دائرة التأييد للمقاربة المغربية داخل الأوساط السياسية والمدنية في بلجيكا.

وشهد هذا الموعد حضور شخصيات دبلوماسية وسياسية وفعاليات من الجالية المغربية، حيث تركزت المداخلات والنقاشات حول سبل تعزيز جسور التعاون بين الرباط وبروكسيل وتطوير الشراكة الثنائية بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين. وفي هذا السياق، شدد القائمون على المبادرة على أن الحوار الثقافي والتقارب الإنساني يظلان من أهم الآليات القادرة على ترسيخ التفاهم بين الشعوب وصناعة فضاءات أكثر انسجاماً وتعايشاً، مؤكدين أن المغرب أصبح نموذجاً للاستقرار والانفتاح في منطقة تعرف تحديات متزايدة.

ولم يخف رئيس الجمعية موقفه الداعم لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل واقعي وعملي للنزاع المفتعل حول الصحراء، معتبراً أن هذا الطرح يحظى بمقومات الجدية والمصداقية الكفيلة بفتح آفاق جديدة لتسوية سياسية تحت إشراف الأمم المتحدة، في وقت تتزايد فيه الأصوات الأوروبية التي ترى في المقترح المغربي خياراً قادراً على تجاوز سنوات الجمود وإرساء أسس الاستقرار الإقليمي.

من جهته، سلط السفير المغربي الضوء على الامتداد التاريخي العريق الذي يربط المغرب وبلجيكا منذ قرون، مبرزاً أن العلاقات بين البلدين لم تعد تقتصر على التعاون الرسمي التقليدي، بل أصبحت ترتكز على روابط إنسانية ومجتمعية متينة ساهمت الجالية المغربية في بنائها وترسيخها عبر عقود. وأكد أن المغاربة المقيمين ببلجيكا نجحوا في فرض حضورهم داخل مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وأصبحوا مكوناً أساسياً داخل المجتمع البلجيكي، بما يعكس عمق الاندماج وقوة الروابط بين الشعبين.

النقاشات التي طبعت هذا اللقاء تجاوزت الجوانب الدبلوماسية المعتادة لتلامس التحولات الكبرى التي تعرفها العلاقات المغربية البلجيكية، حيث تم التأكيد على أن الشراكة بين البلدين باتت تستند إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على المصالح المشتركة والتعاون المتوازن، بعيداً عن الحسابات الظرفية الضيقة. كما جرى التذكير بأن الموقع الجغرافي للمغرب وإمكاناته الاقتصادية المتنامية جعلاه شريكاً أساسياً للعديد من الدول الأوروبية الباحثة عن فضاءات جديدة للاستثمار والتعاون.

وفي الجانب الاقتصادي، برزت المشاريع المشتركة الكبرى كأحد أبرز عناوين المرحلة الجديدة من العلاقات الثنائية، خاصة التعاون المتقدم بين ميناء أنتويرب البلجيكي وميناء طنجة المتوسط الذي تحول إلى واحد من أكبر المراكز اللوجستية في العالم وإلى بوابة استراتيجية تربط إفريقيا بأوروبا والأسواق الدولية. هذا التعاون لا يقتصر على حركة البضائع والتبادل التجاري فقط، بل يمتد إلى مشاريع مستقبلية مرتبطة بالتحول الرقمي والطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، وهي المجالات التي تراهن عليها الدولتان لتعزيز تنافسيتهما الاقتصادية خلال العقود المقبلة.

ويؤكد مراقبون أن ما يجري اليوم بين المغرب وبلجيكا يعكس دينامية جديدة تتجاوز المفهوم التقليدي للعلاقات الثنائية، حيث أصبح التعاون قائماً على رؤية شاملة تمزج بين البعد السياسي والاقتصادي والثقافي والإنساني. كما أن تنامي الدعم للمواقف المغربية داخل العديد من الأوساط الأوروبية يشكل مؤشراً إضافياً على المكانة المتقدمة التي باتت المملكة تحتلها كشريك موثوق وقوة إقليمية صاعدة قادرة على لعب أدوار مؤثرة في محيطها المتوسطي والإفريقي.

وبينما تتسارع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية على ضفتي المتوسط، يبدو أن الرباط تواصل تعزيز مواقعها بثبات، مستفيدة من شبكة علاقات دولية متنامية ومن نجاحها في بناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة. أما لقاء أنتويرب، فقد حمل رسالة واضحة مفادها أن المغرب لم يعد مجرد شريك تقليدي لأوروبا، بل أصبح فاعلاً أساسياً في رسم ملامح تعاون جديد يتطلع إلى المستقبل ويؤسس لمرحلة أكثر قوة وعمقاً وازدهاراً.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك