أنتلجنسيا المغرب: وكالات
وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى
العاصمة الصينية بكين في زيارة دولة تمتد ليومين، بدعوة من الرئيس الصيني شي جين
بينغ، في محطة سياسية توصف بأنها من الأكثر حساسية في مسار العلاقات بين البلدين
منذ سنوات، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي وتزايد الاستقطاب بين
الشرق والغرب.
قبيل وصوله، ظهر بوتين في كلمة عبر
الفيديو ليؤكد أن العلاقات الروسية الصينية بلغت مستوى غير مسبوق، مشددًا على أن
هذا التقارب لم يعد مجرد شراكة ظرفية، بل مسار استراتيجي طويل الأمد يقوم على
الثقة المتبادلة وتنسيق المواقف في القضايا الكبرى المرتبطة بالسيادة والأمن
العالمي.
داخل الأوساط السياسية، يُنظر إلى هذه
الزيارة باعتبارها امتدادًا لمسار بدأ قبل عقود مع توقيع معاهدة حسن الجوار
والتعاون الودي، والتي تحولت لاحقًا إلى قاعدة صلبة لبناء شراكة متعددة الأبعاد
شملت السياسة والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والتبادل الثقافي، مع توسع غير مسبوق
في حجم التنسيق بين موسكو وبكين.
جدول المباحثات بين الجانبين يتضمن
لقاءات رفيعة المستوى بين بوتين وشي جين بينغ، إلى جانب اجتماعات موسعة بين وفدي
البلدين، حيث ستتم مناقشة ملفات استراتيجية تشمل التعاون في مجال الطاقة والبنية
التحتية والتجارة الدولية، إضافة إلى القضايا الإقليمية والدولية ذات التأثير
المباشر على الأمن العالمي.
كما يرتقب أن يتم التوقيع على مجموعة
من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية الجديدة، في وقت يسعى فيه الطرفان إلى تعزيز
التكامل بين اقتصاديهما، خصوصًا بعد التحولات الكبيرة التي فرضتها العقوبات
الغربية على روسيا، ما دفعها إلى توجيه جزء كبير من تجارتها نحو الأسواق الآسيوية
وعلى رأسها الصين.
البيانات الاقتصادية تعكس حجم هذا
التحول، إذ تجاوزت التجارة الثنائية بين البلدين حاجز 200 مليار دولار، لتستقر فوق
هذا المستوى لسنوات متتالية، بينما أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لروسيا منذ
أكثر من عقد ونصف، وهو ما يعكس عمق الترابط الاقتصادي بين الجانبين.
على مستوى الطاقة، تشير الأرقام إلى
أن الصين باتت أكبر مستورد للوقود الأحفوري الروسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا،
بقيمة تتجاوز مئات المليارات من اليورو، مستفيدة من التحولات في سوق الطاقة
العالمية ومن إعادة توجيه روسيا لصادراتها بعيدًا عن الأسواق الأوروبية التقليدية.
في المقابل، يثير هذا التقارب نقاشًا
واسعًا داخل مراكز الدراسات الدولية، حيث يرى محللون أن العلاقة بين موسكو وبكين
تقوم على مبدأ “التكامل غير المتكافئ”، إذ تعتمد روسيا بشكل متزايد على السوق
الصينية، بينما تحتفظ بكين بهامش أوسع من الاستقلال الاقتصادي والتجاري في علاقتها
مع روسيا.
ويرى مراقبون أن هذه الزيارة تأتي في
سياق إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، حيث تتحرك موسكو وبكين بشكل منسق داخل
مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، بهدف تعزيز
نفوذهما في مواجهة المنظومة الغربية التقليدية.
كما تعتبر دوائر دبلوماسية أن اللقاء
بين بوتين وشي جين بينغ لا يقتصر على الملفات الثنائية، بل يمتد إلى رسم ملامح
مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، عنوانها الأبرز هو الانتقال من نظام أحادي
القطبية إلى عالم متعدد الأقطاب، تتزايد فيه أدوار القوى الصاعدة.
وتشير التوقعات إلى أن الأيام المقبلة
من الزيارة قد تحمل اتفاقيات إضافية في مجالات التكنولوجيا والطاقة والنقل، إلى
جانب تعزيز التعاون الثقافي والإنساني، في إطار ما تصفه بكين وموسكو بـ”عام
التبادل الثقافي والتعليمي”، بما يعكس رغبة الطرفين في توسيع قاعدة العلاقات لتشمل
المجتمعين الروسي والصيني.
وبينما تتسارع وتيرة التقارب بين
القوتين، يبقى السؤال المطروح في الأوساط الدولية حول مدى قدرة هذا التحالف على
الاستمرار بنفس الزخم، في ظل الضغوط الغربية والتوازنات الدقيقة التي تحكم
العلاقات الاقتصادية والسياسية في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك