بقلم:ياسر اروين(إسبانيا)
قد يحصل حزب الأصالة والمعاصرة على رئاسة الحكومة، وقد يحصل على الوزارات السيادية والوازنة، وقد يقود الأغلبية لولاية كاملة، لكن كل ذلك لن يكون في تقديري أكبر مكسب يمكن أن يحققه الحزب في هذه اللحظة السياسية الفارقة.
فالمكسب الحقيقي، وربما التاريخي، يكمن في شيء آخر أكثر عمقاً وأبعد أثراً، إنه الشرعية السياسية والرمزية التي ظل يبحث عنها منذ تأسيسه.
فمنذ ولادته سنة 2008، لم يكن الجدل حول "البام" مرتبطاً فقط ببرامجه أو بمواقفه السياسية، بل ارتبط أساساً بسؤال النشأة والهوية.
فقد دخل الحزب، الحياة السياسية من الباب الكبير، لكنه ظل يواجه اتهاماً ملازماً له، بأنه لم ينشأ من رحم حركة اجتماعية أو نضال سياسي طويل، بل ولد في سياق هندسة جديدة للمشهد الحزبي المغربي.
ولهذا السبب ظل خصومه، خصوصاً داخل اليسار والإسلاميين، يتعاملون معه باعتباره حالة استثنائية داخل الحقل الحزبي أكثر من كونه امتداداً طبيعياً للتاريخ السياسي المغربي.
واليوم تبدو الأمور مختلفة، فالحزب الذي تصدر الانتخابات التشريعية الأخيرة بحصوله على 97 مقعداً، والذي كُلّفت أمينته العامة المنسقة فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، يوجد أمام فرصة قد لا تتكرر كثيراً في تاريخه السياسي.
فالمعركة لم تعد معركة أصوات أو مقاعد فقط، بل معركة إعادة تعريف الذات وإعادة تقديم الحزب للرأي العام باعتباره فاعلاً سياسياً طبيعياً داخل النسق الحزبي المغربي.
هنا بالضبط تكتسب فرضية التحالف مع أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية دلالتها الحقيقية.
فالأمر لا يتعلق فقط بتشكيل أغلبية مريحة قادرة على تمرير القوانين وضمان الاستقرار الحكومي، وإنما بإعادة رسم الخريطة الرمزية للشرعية السياسية داخل المغرب.
فالاستقلال ليس مجرد حزب انتخابي، بل هو جزء من ذاكرة الحركة الوطنية، والاتحاد الاشتراكي، رغم تراجعه الانتخابي، لا يزال يحمل إرث المعارضة الديمقراطية وصراعات عقود كاملة من أجل الإصلاح السياسي.
أما التقدم والاشتراكية فهو امتداد لأحد أقدم التيارات اليسارية في البلاد. وعندما يجلس "البام" إلى جانب هذه الأحزاب داخل حكومة واحدة، فإنه لا يربح فقط أصواتها البرلمانية، بل يقترب من رصيدها التاريخي والرمزي.
إن أخطر ما كان يواجه الأصالة والمعاصرة، طوال السنوات الماضية ليس ضعفاً تنظيمياً أو انتخابياً، بل أزمة صورة.
فقد استطاع الحزب، أن يصبح قوة انتخابية وازنة، وأن يسيّر جماعات كبرى، وأن يصل إلى مواقع متقدمة داخل المؤسسات، لكنه لم ينجح بشكل كامل في التخلص من الصورة التي التصقت به منذ التأسيس.
لذلك فإن التحالف مع ما تبقى من مكونات الكتلة الديمقراطية، قد يمنحه ما لم تستطع الانتخابات وحدها منحه، الاعتراف الضمني من جزء من النخبة السياسية بأنه أصبح حزباً عادياً داخل الحياة السياسية المغربية وليس مجرد استثناء عابر.
والواقع أن المفارقة الكبرى، تكمن في أن الأحزاب التي خاضت لعقود معارك ضد ما كانت تعتبره هيمنة الإدارة على السياسة، قد تجد نفسها اليوم شريكاً أساسياً لحزب كان يُقدَّم في بداياته باعتباره رمزاً لهذه الهيمنة.
وهذا التحول، لا يعكس فقط تغير موازين القوى، بل يعكس أيضاً حجم التحولات التي عرفها الحقل الحزبي المغربي خلال العقدين الأخيرين.
الأكثر أهمية أن هذا التحالف، إن تحقق، لن يكون مجرد تحالف حكومي، بل سيكون بمثابة شهادة ميلاد سياسية جديدة للأصالة والمعاصرة.
فالحزب الذي قضى سنوات في مواجهة اتهامات "الحزب الإداري" قد يجد نفسه لأول مرة محاطاً بأحزاب صنعت جزءاً كبيراً من التاريخ السياسي المغربي الحديث.
وعندها، لن يصبح السؤال كيف وصل "البام" إلى السلطة، بل كيف أصبح جزءاً من الشرعية السياسية التي كانت بعض القوى ترفض الاعتراف بها له.
صحيح أن المشاركة في الحكومة لا تمحو التاريخ، ولا تلغي الخلافات الفكرية والإيديولوجية المتراكمة، لكن السياسة في النهاية ليست محكمة للتاريخ، بل فن لإعادة ترتيب موازين القوى وصناعة الوقائع الجديدة.
وما يبدو مستحيلاً في مرحلة معينة قد يصبح بعد سنوات أمراً عادياً بل ومنطقياً.
لهذا أعتقد، أن الرهان الأكبر للأصالة والمعاصرة في هذه المرحلة ليس تشكيل الحكومة فقط، وإنما الخروج منها بصورة جديدة، صورة حزب لم يعد يبحث عن الاعتراف بوجوده، بل أصبح جزءاً من معادلة الاعتراف نفسها.
وإذا نجح في جمع مكونات ما كان يسمى بالكتلة الديمقراطية حوله، فإنه لن يكون قد حصل فقط على أغلبية برلمانية، بل سيكون قد اقترب أكثر من تحقيق هدف ظل يطارده منذ تأسيسه، التحول من حزب قوي انتخابياً إلى حزب يمتلك شرعية سياسية وتاريخية لا ينازعها أحد.
وعندها سيكون الانتصار الحقيقي لـ"البام" قد تحقق قبل أن تبدأ الحكومة عملها أصلاً.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك