" تا كلب ما يهرب من دار العرس" جيل يسبح نحو المجهول..فهل تغرق صناديق الاقتراع قبل أن تُفتح؟

" تا كلب ما يهرب من دار العرس" جيل يسبح نحو المجهول..فهل تغرق صناديق الاقتراع قبل أن تُفتح؟
مقالات رأي / الجمعة 31 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات: تهنئه بمناسبه ذكرى عيد العرش المجيد

بقلم : فهد الباهي/م.إيطاليا

لم تعد مشاهد الشباب وهم يخاطرون بحياتهم في عرض البحر مجرد أخبار موسمية تتكرر مع كل صيف، بل تحولت إلى مؤشر سياسي واجتماعي يفرض نفسه بقوة على النقاش العمومي (الغائب- أو الصوري)، فحين يختار آلاف الشباب بينهم أطفال 12 سنة وفتيات في مقتبل عمر الزهور أمهات المستقبل، في ظرف زمني وجيز أسبوع أقل تقدير، ركوب البحر بكل مخاطره، فإن الرسالة تتجاوز الهجرة في حد ذاتها، لتصبح تعبيرا عن أزمة ثقة عميقة في المستقبل، وفي قدرة السياسات العمومية على توفير الحد الأدنى من الأمل.

وهنا يأتي المثل المغربي والقائل "خليت ليكم بلاصتي زرعو فيها البطاطس".

وخلال الأيام الأخيرة، عادت مدن الشمال لتتصدر المشهد بعد محاولات جماعية للوصول إلى سبتة المحتلة، انتهى بعضها باعتقالات وتدخلات أمنية فاقت 450 حالة ناهيك عن الفارين..، فيما انتهت محاولات أخرى بمآسٍ إنسانية بعدما ابتلع البحر أرواح شباب كانوا يبحثون عن فرصة حياة أفضل.

وبين من وصل إلى الضفة الأخرى ومن أعادته القوات الأمنية ومن لا يزال مصيره مجهولا، يبقى السؤال الأكبر: ماذا يقول هذا المشهد عن واقع الشباب المغربي؟

في المقابل، تقترب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة 2026 في ظرفية تختلف عن كل المحطات السابقة.

فالنقاش لم يعد مقتصرا على البرامج الحزبية أو التحالفات السياسية، بل أصبح مرتبطا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على استعادة ثقة شريحة واسعة من الشباب، خصوصا أولئك الذين باتوا يرون في الهجرة، مهما كانت خطورتها، بديلا أكثر إغراء من انتظار وعود انتخابية جديدة، "وحق سيدي جابر مول الكنابر ما يتحقق منها وزة" .

ومن الطبيعي أن تطرح هذه الوقائع تساؤلات سياسية مشروعة.

كيف ستتعامل عائلات الشباب الذين خاطروا بحياتهم مع الخطاب الانتخابي المقبل؟

وكيف سينظر أقارب من فقدوا أبناءهم في البحر، أو من تم توقيفهم خلال محاولات الهجرة، إلى الشعارات التي ستُرفع حول التشغيل والتنمية والعدالة الاجتماعية؟

إنها أسئلة لا يمكن تجاهلها في أي نقاش جاد حول المشاركة السياسية.

وفي الحقيقة أسئلة "كتحشم لي عندهم الوجه علاش يحشمو".

لقد ظل ملف التشغيل في صدارة الوعود الانتخابية لسنوات طويلة، غير أن جزءا من الشباب لا يزال يعتبر أن نتائج تلك الوعود لم ترق إلى مستوى انتظاراته، وبين ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الولوج إلى فرص عمل مستقرة، واستمرار التفاوتات الاجتماعية، تتوسع فجوة الثقة بين فئات من المجتمع وبين المؤسسات السياسية، وهي فجوة لا يمكن ردمها بالشعارات وحدها، "بنادم عيا من الدواز وبغا يدوق الكلامار ...".

ولا يتعلق الأمر بانتقاد حكومة بعينها فقط، بل بمسار طويل من السياسات العمومية التي يرى منتقدوها أنها لم تستطع معالجة الإشكالات البنيوية المرتبطة بالتشغيل والتعليم والتنمية المجالية، لذلك، فإن النقاش اليوم يتجاوز تقييم حصيلة ولاية حكومية، ليطرح سؤالا أعمق حول مدى قدرة النموذج التنموي والسياسات العمومية على استعادة ثقة المواطنين، وخاصة الشباب الذي يهرب ليل نهار من حقيقة لا يمكن نكرانها "جحيم الحكرة والظلم".

وفي المقابل، يرى آخرون أن ظاهرة الهجرة غير النظامية ليست حكرا على المغرب، بل ترتبط أيضا بعوامل إقليمية ودولية معقدة، تشمل الفوارق الاقتصادية بين الضفتين، وشبكات التهريب، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في رسم صورة مثالية عن الهجرة، ومع ذلك، فإن وجود هذه العوامل لا يمنع من مساءلة السياسات الوطنية حول كيفية الحد من دوافع الهجرة وتعزيز فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، ومع اقتراب موعد الانتخابات، سيكون على الأحزاب السياسية أن تقدم أكثر من مجرد وعود جديدة.

الحقيقة المرة، "واش المواطن غادي يصدق الكذب لي مل منه سنين"

فالشباب الذي يحمل حقيبة صغيرة ويتجه نحو البحر لا يبحث فقط عن وظيفة، بل عن شعور بالكرامة والانتماء وإمكانية بناء مستقبل داخل وطنه.

وإذا لم تلامس البرامج الانتخابية هذه القضايا بجدية، فقد تتسع دائرة العزوف السياسي أكثر من أي وقت مضى.

إن الديمقراطية لا تقاس فقط بنسبة المشاركة في الانتخابات لأن نسبة التصويت الحقيقية يعلمها الله وملائكته "وهادوك لي قالو لينا النتائج" ، وإنما أيضا بقدرة المؤسسات على إقناع المواطنين بأن أصواتهم يمكن أن تحدث فرقا حقيقيا.

وعندما يشعر جزء من الشباب بأن البحر أصبح أقرب إلى أحلامه من صناديق الاقتراع، فإن ذلك يستوجب وقفة تأمل ومسؤولية جماعية بعيدا عن منطق تبادل الاتهامات.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستنجح الانتخابات المقبلة في استعادة ثقة الشباب، أم أن أرقام موجات الهجرة ستظل التصويت الأكثر تعبيرا عن اليأس في عمق البحر والضفة الأخرى؟

الإجابة لن تصنعها الخطب ولا الحملات الانتخابية، بل ستحددها السياسات التي يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية، من خلال فرص العمل، والعدالة، والكرامة، والأمل في مستقبل أفضل داخل الوطن.

وما عسانا نقول للحكومة معدومة الرحمة، حكومة الفراقشية، التي تسببت في أكبر عدد من المهاجرين في ولايتهم لا سامحهم الله، "راه لي فات ما يولي" .

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك