بقلم : سعيد الكحل
يعيش المجتمع المغربي مفارقة غريبة تشذ عن منطق التاريخ بمفهومه الليبرالي، حيث يُفترض أن يؤمن الأفراد بأن التقدم يتحقق عبر الحرية والعقل، وأن التخلف الصناعي والعلمي هو المشكلة الرئيسية التي تواجه المجتمع والدولة وليس القضايا الدينية أو تطبيق الشريعة. إذ لم يعد المجتمع، في غالبية أعضائه ومكوناته، يرى أن التاريخ صيرورة تطورية نحو التقدم وتحقيق المزيد من الحقوق والحريات الفردية والجماعية. ومن ثم لم يعد المجتمع يرى أن الأنساق الأيديولوجية المغلقة (القومية، إيديولوجيا الإسلام السياسي..) تتعارض مع منطق التاريخ وقوانينه.
أما منطق التاريخ بمفهومه الماركسي المبني على الصراع الطبقي
وتطور قوى الإنتاج، وأن البنية التحتية الاقتصادية تؤدي إلى تغيير البنية الفوقية،
فلم يعد له من معنى حتى في أذهان قلة من اليساريين الذين ارتموا في أحضان
الإسلاميين وانخرطوا في خدمة مشروعهم السياسي الموغل في الاستبداد والقهر والساعي
إلى بناء دولة الخلافة.
تشكل التجربة
السياسية المغربية، خصوصا مع حكم الملك محمد السادس، نموذجا يجسد انقلاب الأدوار
بين الدولة والمجتمع. ذلك أن هذه التجربة تروم الانتصار لقيم الحداثة والعصرنة
وحقوق الإنسان، وفي مقدمتها حقوق النساء والأطفال والاعتراف بالحقوق السياسية
والثقافية لكل مكونات المجتمع المغربي، بغض النظر عن العرق والدين واللغة. وقد
جسدت هذه التجربة نموذجا مغربيا ناضجا تبلور في الوثيقة الدستورية لسنة 2011 التي
أقرت بتعدد مكونات الهوية المغربية (العربية-الإسلامية، الأمازيغية، الصحراوية
الحسانية)، وتعدد روافدها الثقافية: الإفريقية، الأندلسية، العبرية،
المتوسطية؛ كما أقرت بسمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات
الوطنية، خاصة ما يتعلق بحقوق المرأة والطفل. ولقد ناضلت فئات واسعة من الشعب
المغربي من أجل الاعتراف بتعدد مكونات الهوية المغربية وكذا الإقرار بحقوق الإنسان
كما هي متعارف عليها دوليا، وفي صلبها حقوق النساء، مما استوجب المصادقة على
الاتفاقيات الدولية من أجل القضاء على كل أشكال العنف المبني على النوع، إلا أن
التنفيذ لا يزال يتطلب مزيدا من النضال والإصرار على مواصلته ومواجهة القوى
المناهضة للحقوق والمساواة والمناصفة.
إن الدولة
التي ظلت تناهض الحقوق وتصادر الحريات حتى باتت حقبة من تاريخ مغرب الاستقلال تسمى
"سنوات الجمر والرصاص"، صارت حاملة لشعار التغيير ومدافعة عن الحريات
الفردية والجماعية. إلا أن المجتمع الذي ضحى بخيرة أبنائه من أجل الحرية والمساواة
وحقوق الإنسان والنساء، صار مجتمعا، في جزء مهم من مكوناته، مناهضا للحريات
الفردية ولحقوق النساء ولتجريم تزويج الطفلات وللإجهاض الإرادي ولإلحاق الطفل
بأبيه البيولوجي، وللمساواة في الإرث ولإلغاء قاعدة التعصيب التي تشرعن أكل أموال
الإناث بالباطل.
لقد آل جلالة
الملك محمد السادس على نفسه النهوض بحقوق النساء، وجسدت مبادراته (تعديل مدونة
الأسرة مرتين في ظرف عشرين سنة) وقراراته (رفع التحفظات عن المادتين 9 و 16 من اتفاقية
"سيداو" للقضاء على التمييز ضد المرأة وضمان المساواة في الحقوق بين
الجنسين بما فيها حق المرأة المغربية منح جنسيتها لأبنائها من زواج مختلط)، جسدت
التوجه الجديد للدولة المغربية الذي يقر بالحقوق والحريات. وكان من المفروض أن
ينخرط المجتمع، بكل مكوناته السياسية والمدنية والدينية والثقافية، في الدينامية
التي أطلقها جلالته لتسريع وتيرة التغيير وتفعيل بنود الدستور. لكن، للأسف، انتصب
طيف من المجتمع لمناهضة تعديل مدونة الأسرة والإقرار بحقوق النساء والأطفال؛ أي
انقلب المجتمع على نفسه وتنكر للمطالب والشعارات التي ضحى من أجلها أبناؤه.
طبيعي أن يعيش المجتمع المغربي نكوصا
سياسيا وثقافيا وحقوقيا بفعل ما تعرض ويتعرض له من تشويه لهويته الوطنية وطمس
لثقافته الأصلية (على مستوى اللباس، وإقامة الحفلات، وتشييع الموتى، وإلقاء
التحية، والانشغال بقضايا المشرق أكثر من قضايا المغرب..) من طرف تيار الإسلام
السياسي الذي مكّنته الدولة، طيلة عقود، من عقول ووجدان المغاربة حتى أفسدها وجعل
فئات واسعة من المغاربة تعاني من الاستلاب والاغتراب جعلاها تعيش/تتقمص هويات
مشرقية منسلخة عن الواقع والتاريخ المغربيين. وقد تصدت الدولة، دون المجتمع، لخطط
الأخوَنَة والوهْبَنة التي انتهجها أحد مكونات التيار الإسلاموي لما ترأس الحكومة
(تضمين مشروع القانون الجنائي مفهوم "جرائم الشرف" مع تخفيض عقوباتها من
الإعدام والمؤبد إلى بضعة شهور وقد تكون موقوفة التنفيذ، منع قاعات الحلاقة من
تقديم الخدمات للجنسين معا، محاولة الفصل بين الجنسين في حافلات النقل الحضري، منع
الزوار من دخول المركز القروي عين اللوح، منع تلميذات
بالتنورة من دخول المؤسسات التعليمية، الاعتداء على الفتيات بالزي العصري
(التنورة)، الاعتداء على من يأكل نهار رمضان حتى لوجود أعذار شرعية..).
نحن، إذن،
أمام مجتمع تمكنت منه "التقليدانية" بفعل إستراتيجية الأسلمة التي
اتبعتها تنظيمات الإسلام السياسي منذ سبعينيات القرن العشرين، حتى صار مناهضا
لكثير من الحقوق التي ناضل وضحى من أجلها جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات ( 54 في المائة يؤيدون تجريم الإفطار العلني
خلال شهر رمضان، 80 في المائة يرفضون إلغاء تجريم العلاقات الرضائية علما أن المتابعات الجنائية بتهمة الفساد (العلاقات الجنسية خارج إطار
الزواج) خلال سنة 2022 وصلت إلى 14335، مقابل 13406 في سنة 2021، أظهرت نتائج
استطلاعات رأي أجرتها شبكة “أفروبارومتر” بين يناير 2024 وشتنبر 2025 في 38 دولة
إفريقية، حول الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية في إفريقيا ،أن المواطنين
المغاربة هم من أقل الأفارقة دعما لتعليم التربية الجنسية في المدارس، إذ لم
تتجاوز نسبة الذين أيدوا ذلك 14 في المائة فقط، وأن 56 في المائة من المغاربة
يرفضون تبرير الإجهاض لدى النساء بالصعوبات المالية أو عدم القدرة على رعاية الجنين،
علما أن ألف حالة إجهاض سري تتم يوميا، وأن 24 رضيع يُرمى في الأزقة في كل يوم،
وأن 4.2 في المائة من مجموع وفيات الأمهات في المغرب، و5.5 في المئة من وفيات
الأمهات، الناتجة عن التعقيدات المباشرة للولادة مرتبطة بالإجهاض.
وأن 21 في
المائة فقط من المغاربة يوافقون على توفير وسائل منع الحمل للعموم، فيما وصل متوسط
الذين يؤيدون ذلك على المستوى القاري إلى حوالي النصف تقريبا).
هكذا انقلبت الأدوار وصارت الدولة هي
التي تقود إستراتيجية التحديث بقيادة عاهل البلاد الذي أكد في خطاب 29 ماي 2003، (وسيظل
المغرب وفيا لالتزاماته الدولية مواصلا بقيادتنا مسيرة إنجاز مشروعنا المجتمعي
الديمقراطي الحداثي بإيمان وثبات وإصرار. وسيجد خديمه الأول في مقدمة المتصدين لكل
من يريد الرجوع به إلى الوراء، وفي طليعة السائرين به إلى الأمام، لكسب معركتنا
الحقيقية ضد التخلف والجهل والانغلاق)؛ فيما انتصب جزء من المجتمع بمكوناته
الحزبية والجمعوية مناهضا لهذه الإستراتيجية. الأمر الذي عقّد مهمة تيار الحداثة
الذي وجد نفسه في مواجهة قوى النكوص المناهضة للحداثة بكل مقوماتها الفكرية
والحقوقية والسياسية والاجتماعية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك