بقلم : فهد الباهي/إيطاليا
في التحولات الكبرى التي يعيشها
العالم اليوم لم تعد القوة تقاس فقط بحاملات الطائرات ولا بعدد القواعد العسكرية
المنتشرة في القارات، بل أصبحت تقاس بمن يملك الاقتصاد والتكنولوجيا والصبر
الاستراتيجي والنفس الطويل، وفي هذا المشهد المتغير ظهر التنين الصيني وهو يزحف
بثبات نحو قمة العالم، بينما بدا النسر الأمريكي متعبا مثقلا بحروب الاستنزاف
والديون والانقسامات الداخلية وفقدان الهيبة الدولية التي صنعها لعقود طويلة
بالقوة والتهديد والترهيب السياسي والعسكري.
اللقاء الأخير بين "دونالد ترامب"
و "شي جين بينغ" لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي عابر بين رئيسين، بل كان
مشهدا رمزيا كشف حجم التحول الذي أصاب موازين القوة الدولية، حيث بدا الرئيس
الأمريكي وكأنه يطرق باب الصين طلبا للتفاهم والإنقاذ الاقتصادي والسياسي، بينما
ظهر الرئيس الصيني هادئا وباردا ومتحكما في لغة الجسد والكلمات والرسائل المبطنة
التي فهمتها العواصم الكبرى قبل الشعوب.
الاستقبال الصيني الباهت للرئيس
الأمريكي لم يكن صدفة دبلوماسية، بل رسالة سياسية محسوبة بدقة شديدة، فالصين التي
استقبلت من قبل "فلاديمير بوتين" بحفاوة كبرى، وأظهرت احتراما واضحا
لزعيم كوريا الشمالية "كيم جونغ أون"، اختارت هذه المرة أن تخفض من
منسوب الحفاوة مع الرئيس الأمريكي في لحظة دولية حساسة، وكأنها تقول للعالم إن زمن
التفرد الأمريكي إنتهى وإن بكين لم تعد تنظر إلى واشنطن باعتبارها السيد المطلق
للنظام الدولي.
الأكثر إثارة في هذا المشهد أن لغة
ترامب تغيرت بالكامل مقارنة بخطابه المتعالي مع دول الخليج، فالرجل الذي اعتاد
مخاطبة الأنظمة الخليجية بمنطق الابتزاز المالي والحماية العسكرية.
ظهر هذه المرة بلغة أكثر ليونة وهو
يصف الصين بالشريك الوثيق والصديق الذي يمكن حل المشاكل معه هاتفيا، وكأن الرئيس
الأمريكي يدرك أن بلاده لم تعد قادرة على فرض شروطها القديمة على القوى الكبرى كما
كان يحدث في العقود الماضية.
الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران
كشفت بدورها حجم التراجع الأمريكي في المنطقة، فواشنطن التي قدمت نفسها لعقود
باعتبارها الضامن الأول لأمن الخليج، وجدت نفسها عاجزة عن منع الضربات الصاروخية الإيرانية
التي وجهت لـ: الكويت، وقطر، والعربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة.
وحتى التصعيد الذي هز المنطقة بأكملها.
بل إن إغلاق مضيق هرمز والتهديدات
الصاروخية التي وصلت إلى عمق إسرائيل في تل أبيب، وتدمير القبة الحديدية، أكدت أن
الهيمنة الأمريكية لم تعد مطلقة كما كانت تروج لذلك الآلة الإعلامية الغربية.
دول الخليج التي أنفقت مئات المليارات
على صفقات السلاح الأمريكية بدأت تدرك أن الحماية الحقيقية لا تباع بالشعارات ولا
بالخطب السياسية، وأن واشنطن التي كانت تتلقى الهدايا الفاخرة والطائرات والصفقات
الضخمة مقابل وعود الحماية، لم تستطع حتى حماية صورتها وهيبتها أمام العالم خلال
لحظات التوتر الكبرى، وهو ما جعل الكثير من العواصم الخليجية تعيد حساباتها بهدوء
بعيدا عن الأضواء.
حتى تفاصيل المائدة والبروتوكول خلال
الزيارة حملت رسائل عميقة.
فالصين لم تغرق ترامب في الولائم
الأسطورية ولا في الاستعراضات المبالغ فيها، بل قدمت له ضيافة عادية توحي بأن بكين
تتعامل معه كرئيس لدولة لم تعد تملك الامتيازات المطلقة التي كانت تتمتع بها
سابقا، وأن الاحترام في السياسة الدولية أصبح مرتبطا بحجم القوة الحقيقية لا بحجم
الضجيج الإعلامي والعسكري.
لغة الجسد أيضا كانت قاسية على ترامب.
حيث ظهر في أكثر من لقطة متعبا ومنهكا
ومطأطأ الرأس، بينما بدا شي جين بينغ ثابتا وهادئا ويتحدث بجمل قصيرة لكنها قوية
المعنى، خصوصا حين أكد أن التعاون بين الصين وأمريكا أفضل من الصراع، وهي عبارة
بدت وكأنها نصيحة من قوة صاعدة إلى قوة تتراجع ببطء أمام أعين العالم، ويمكن
قراءتها على أنها تهديد مبطن.
أما الحديث الأمريكي عن جلب مستثمرين
وشركات تكنولوجية إلى الصين فقد بدا للكثيرين اعترافا ضمنيا بأن بكين أصبحت مركزا
عالميا لا يمكن تجاهله، فالصين اليوم لم تعد مجرد مصنع ضخم للبضائع الرخيصة، بل
تحولت إلى قوة صناعية وتكنولوجية تنافس أمريكا نفسها في الذكاء الاصطناعي والطاقة
والاتصالات والصناعات الثقيلة والبنية التحتية العملاقة.
العالم الذي كان يخشى أمريكا بدأ
يتغير بسرعة مذهلة، وأوروبا نفسها أصبحت تبحث عن مصالحها الاقتصادية مع الصين
بعيدا عن الإملاءات الأمريكية، بينما تتجه روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية
نحو بناء محور عالمي جديد يعيد رسم خرائط النفوذ والتجارة والطاقة، وفي قلب هذا
التحول تبدو دول الخليج وكأنها أصبحت ساحة تنافس دولي مفتوح بين القوى الكبرى التي
تسعى إلى اقتسام النفوذ والثروات في المنطقة.
لقد كشفت الحروب الأخيرة أن القوة
الأمريكية ليست مطلقة كما كانت توهم العالم، وأن إسرائيل التي كانت تعتبر رأس
الحربة الأمريكية في الشرق الأوسط ساهمت بشكل غير مباشر في تعرية حدود القوة
الأمريكية وكشف هشاشة خطاب الردع الذي أرعب الشعوب لعقود طويلة، بينما يواصل
التنين الصيني صعوده الهادئ نحو قمة النظام العالمي الجديد المالي النقذي،
والعسكري، دون إطلاق رصاصة واحدة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك